منظقة الشياح بين الخوف والغلاء.. جيلٌ صغير يواجه تداعيات الحرب ويتمسّك بالأمل

08/16/2026 - 16:18 PM

Your Ad Here

 

 

 

الضاحية الجنوبية - بيروت تايمز - منى حسن

في منظقة الشياح، لا تبدو آثار الحرب محصورة بالأضرار المادية أو تراجع الحركة التجارية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان: من حركة الأسواق والقدرة الشرائية، إلى قرارات العائلات بشأن العودة، وصولاً إلى أحلام جيل شاب يحاول متابعة دراسته وبناء مستقبله وسط واقع أمني واقتصادي شديد التعقيد.

وخلال جولة ميدانية أجرتها "بيروت تايمز" في عدد من أحياء الضاحية الجنوبية، وتحديداً في الشياح، رصدت الصحيفة حركة تجارية تحاول استعادة عافيتها تدريجياً، رغم أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان وفي سلوكهم اليومي.

الشياح، التي كانت قبل الحرب نقطة وصل أساسية بين بيروت والضاحية الجنوبية، عُرفت بسوق الجمّال الذي يستقطب الزوار من مختلف المناطق بأسعاره المنافسة وتنوع بضائعه. لكن الحرب بدّلت الكثير من ملامح الحياة: تراجعت حركة الناس، تبدلت أولويات الإنفاق، وانخفض الإقبال على بعض السلع، فيما أصبحت المخاوف الأمنية عاملاً أساسياً في تحديد توقيت العودة أو المغادرة.

ومع ذلك، فإن المشهد لا يخلو من محاولات واضحة للعودة إلى الحياة. المحال التي فتحت أبوابها مجدداً، أصحابها الذين يحاولون الحفاظ على مصادر رزقهم، والعائلات التي عادت تدريجياً إلى منازلها، كلها مؤشرات إلى أن سكان الشياح لا يريدون لمنطقتهم أن تبقى أسيرة تداعيات الحرب.

من سوق نابض إلى حركة تجارية حذرة

قبل الحرب، كانت شوارع الشياح تعج بالمتسوّقين، والمتاجر تعمل بوتيرة نشطة. أما اليوم، فتبدو الحركة أكثر حذراً. التجار يشترون كميات أقل، يراقبون الطلب، ويتجنبون المغامرة برأس المال.

لم يعد السؤال: ماذا يريد الناس أن يشتروا؟

بل أصبح: ماذا يستطيعون أن يشتروا؟

فالقدرة الشرائية تراجعت، والاستهلاك بات مرتبطاً بتأمين الأساسيات أولاً.

بشير كزما: الشياح لم تعد كما كانت

التقت "بيروت تايمز" الشاب بشير كزما (19 عاماً)، طالب في الجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية، وهاوٍ للموسيقى. يصف الواقع الاقتصادي في الشياح بأنه "سيئ مقارنة بما كان عليه قبل الحرب"، مشيراً إلى أن النزوح والخوف من الاستهداف أثّرا مباشرة على حركة الناس والأسواق. ويقول إن المنطقة فقدت جزءاً من حيويتها، وإن أي إشارة إلى احتمال التصعيد تؤدي إلى تراجع فوري في الحركة التجارية، بينما تعود تدريجياً في الأيام الهادئة.

الغلاء.. الحرب الثانية داخل المحل

حتى عندما يعود الناس إلى الشوارع، لا يعني ذلك أنهم عادوا إلى مستوى الإنفاق السابق. الزبون اليوم أكثر حذراً، يقارن الأسعار، ويشتري ما يحتاج إليه فقط. الحركة وحدها لا تكفي للحكم على تعافي السوق، بل حجم الإنفاق هو المعيار الحقيقي.

الشياح تحاول استعادة نبضها

بين شارع وآخر، تبدو الشياح كمن يحاول استعادة إيقاع فقده خلال الحرب. المحال تفتح، الناس تتحرك، والباعة يحاولون جذب الزبائن، لكن الحذر لا يزال حاضراً. والسوق لم يعد كما كان، لكنه لم يمت.

الحرب غيّرت عادات الاستهلاك

تبدلت طبيعة المشتريات. العائلات باتت تركز على المواد الأساسية، فيما تُؤجَّل السلع غير الضرورية. هذا التغيير يظهر بوضوح في المتاجر الغذائية، ويزداد وضوحاً في القطاعات المصنّفة ضمن الكماليات.

زياد كزما.. طالب يعمل ويحلم بالمستقبل

التقت الصحيفة أيضاً زياد الياس كزما (14 عاماً)، طالب في الصف التاسع، يعمل خلال أوقات الفراغ والعطلة الصيفية في محل لبيع السكاكر.

يرى زياد أن العمل تجربة تربوية قبل أن يكون وسيلة لكسب المال، فهو يتعلم التعامل مع الزبائن، وفهم حاجاتهم، ومراقبة حركة السوق. ويعتبر أن هذه الخبرة ستساعده في المستقبل مهما كان المجال الذي سيختاره.

وجود زياد داخل المحل يجعله قريباً من تفاصيل الحياة الاقتصادية. يلاحظ أن الزبون الذي كان ينفق مبلغاً معيناً بات ينفق أقل، وأن السكاكر أصبحت سلعة يمكن الاستغناء عنها عندما تضيق الميزانية. فالأساسيات-الخبز، الطعام، الدواء-باتت تتقدم على كل ما عداها.

جيل صغير يعيش أزمة كبيرة

زياد يمثل جيلاً يعيش الحرب والأزمة الاقتصادية من موقع مختلف. يسمع أصوات المسيّرات، يرى آثار النزوح، يلاحظ تراجع الحركة التجارية، ويعيش الغلاء. ومع ذلك، يتمسك بالأمل، ويريد أن يتعلم ويتطور ويبني مستقبله خطوة خطوة. لا يرى السفر هروباً، بل فرصة إذا أتت. ولبنان يبقى خياره الأول.

رسالة إلى المغتربين

زياد يدعو المغتربين إلى عدم نسيان لبنان وأهلهم، وإلى دعمهم معنوياً ومادياً. أما بشير، فيرى أن الظروف القاسية لا تعني أن المستقبل مغلق.

أصحاب المحال أمام سؤال واحد: ماذا يحمل الغد؟

التاجر في الشياح لا يستطيع التخطيط بسهولة. كمية البضائع التي يشتريها مرتبطة بحركة السوق، وهذه الحركة مرتبطة بالوضع الأمني. أي تطور مفاجئ قد يجمّد رأس المال أو يعرقل تلبية الطلب.

المسيّرات.. صوت حاضر في الحياة اليومية

التحليق المستمر للمسيّرات والطائرات أصبح جزءاً من يوميات السكان. الصوت وحده كفيل بإعادة ذكريات الحرب وإثارة الحذر، حتى لو اعتاد الناس عليه تدريجياً.

النزوح.. قرار بين الأمان والعمل

خلال الحرب، غادرت عائلات المنطقة بحثاً عن الأمان. ومع الهدوء، عاد البعض تدريجياً، لكن العودة لم تكن متساوية. أصحاب الأعمال عادوا بسرعة بحكم ارتباطهم بمصدر رزقهم، بينما بقيت عائلات أخرى مترددة. فالعودة تحتاج إلى مدارس تعمل، ومحال تفتح، وخدمات مستقرة، وشعور عام بالأمان.

ما بعد الحرب.. إعادة بناء الثقة

إعادة بناء الشياح تحتاج إلى أكثر من ترميم الأبنية. تحتاج إلى ثقة: ثقة المواطن بالأمان، وثقة التاجر بالاستثمار، وثقة العائلة بقدرتها على الاستمرار، وثقة الشباب بأن لهم مستقبلاً في بلدهم.

بين الخوف والأمل

تكشف الجولة الميدانية صورة منطقة تقف بين مرحلتين: آثار حرب لم تنتهِ بعد، ومحاولات حياة جديدة تحاول أن تبدأ. الحرب أثرت على الأسواق والناس والقدرة الشرائية وأحلام الجيل الجديد، لكنها لم تلغِ الرغبة في الحياة.

في متجر صغير، يقف طالب يتعلم مهنة. في متجر آخر، يحاول صاحب عمل الحفاظ على رزقه. وفي منزل، تنتظر عائلة عودة الاستقرار. وفي الشارع، يتحرك الناس بحذر، لكنهم يتحركون. وهنا تكمن حكاية الشياح: منطقة تبحث عن عودة الحياة، لا عن عودة الزبائن فقط. وبين الخوف والغلاء والنزوح والقلق الأمني، يتمسك أبناء المنطقة بالأمل، لأنهم يدركون أن النهوض يبدأ أحياناً من محل يفتح أبوابه صباحاً، وطالب يذهب إلى مدرسته، وشاب يتعلم مهنة، وعائلة تقرر أن تعود إلى منزلها.

الشياح لا تزال في بداية الطريق نحو استعادة ما كان قبل الحرب، لكن الإصرار على الاستمرار يبقى أقوى من الاستسلام.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment