بيار مارون *
في كل ذكرى لسقوط تلّ الزعتر، تعود رواية تبدأ من الحصار وتنتهي في 12 آب 1976، عند القتل والدمار وسقوط المخيم. هذه الوقائع جزء من التاريخ، ولا معنى لإنكارها. سقط مدنيون ومقاتلون، ودُفع ثمن إنساني قاسٍ.
لكن القصة لم تبدأ هناك.
قبل حزيران 1976، وقبل نيسان 1975، كانت العلاقة بين تلّ الزعتر ومحيطه قد تغيّرت منذ سنوات. بعد أحداث 1969 واتفاق القاهرة، تراجع الحضور الأمني للدولة اللبنانية داخل المخيمات، بينما توسّع نفوذ الفصائل الفلسطينية المسلحة. ومع الوقت، لم يعد السلاح شأنًا محصورًا داخل المخيم، بل أصبح جزءًا من واقع سياسي وأمني امتد إلى محيطه وعمّق أزمة السيادة اللبنانية وأثار مخاوف واسعة في البيئة المسيحية. وكان هذا كله يجري في ظل تآكل متزايد لسلطة الدولة اللبنانية، قبل أن يؤدي اندلاع الحرب سنة 1975 إلى شلل مؤسساتها وانقسام أجهزتها وتراجع قدرتها على فرض سيادتها في مناطق واسعة. وهذا هو الجزء الذي يغيب كثيرًا عندما تُروى قصة تلّ الزعتر اليوم.
من مخيم للاجئين إلى موقع مسلّح
أُنشئ تلّ الزعتر سنة 1949 لإيواء لاجئين فلسطينيين. وفي الستينيات كان للدرك اللبناني والمكتب الثاني وجود أمني داخله، فيما تولّت الأونروا الخدمات الاجتماعية والتعليمية.
بعد 1969 تغيّر هذا الواقع جذريًا.
فنص اتفاق القاهرة أبقى، نظريًا، على السيادة اللبنانية، لكنه اعترف في الوقت نفسه بتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح وبـ"نقاط الكفاح الفلسطيني المسلح". أما على الأرض، فتراجعت قدرة المؤسسات اللبنانية على ممارسة سلطتها الأمنية داخل المخيمات، وحلّت التنظيمات الفلسطينية المسلحة تدريجيًا محل الأجهزة الرسمية.
وبذلك أصبحت عسكرة المخيمات جزءًا من أزمة لبنانية أوسع تتعلق بتآكل سيادة الدولة، وتعدد مراكز القوة، وتراجع وحدة القرار الأمني. وتوثّق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، PalQuest، اتساع نفوذ منظمة التحرير والفصائل المتحالفة معها داخل تلّ الزعتر خلال السبعينيات.
وتذكر أيضًا أن حركة فتح أنشأت داخل المخيم ورشة لصيانة الأسلحة تطورت لاحقًا إلى منشأة أكبر لخدمة السلاح، وأن كوادر فتح وفصائل أخرى - الصاعقة، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية-القيادة العامة، وجبهة التحرير العربية - كانت تنشط من تلّ الزعتر إلى خارجه وفي بيروت الشرقية.
بحلول تلك المرحلة، لم يعد تلّ الزعتر مجرد مخيم للاجئين. بقي فيه آلاف المدنيين وعائلات لا علاقة لها بالقرار العسكري، لكنه أصبح أيضًا موقعًا ذا بنية مسلحة ونشاط فصائلي يمتد إلى خارج حدوده.
لبنان كساحة لشبكات مسلحة عابرة للحدود ولم تكن عسكرة المخيمات منفصلة عن ظاهرة أوسع شهدها لبنان في تلك المرحلة. فقد أقامت فصائل فلسطينية، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، علاقات مع تنظيمات مسلحة أجنبية تجاوز نشاطها حدود لبنان والمنطقة.
ومن أبرز الأمثلة تعاون الجبهة الشعبية مع الجيش الأحمر الياباني، الذي ارتبط لاحقًا بمعسكرات فلسطينية في البقاع، إضافة إلى نشاط شخصيات دولية مثل كارلوس الثعلب ضمن شبكات الجبهة الشعبية في لبنان وخارجه.
ولا يعني ذلك أن الجيش الأحمر الياباني أو كارلوس كانا متمركزين في تلّ الزعتر تحديدًا، ولا توجد حاجة إلى الادعاء بذلك. أهمية هذه الوقائع تكمن في الصورة الأوسع التي كانت تتشكل عن لبنان في تلك السنوات: بلد مضيف للاجئين باتت أراضيه تُستخدم أيضًا من جانب فصائل مسلحة وشبكات أجنبية في صراعات إقليمية ودولية لا تملك الدولة اللبنانية قرارها.
وكان لهذا التحول أثر داخلي مباشر. ففي البيئة المسيحية خصوصًا، ازداد الشعور بأن المسألة لم تعد مجرد خلاف لبناني-فلسطيني حول إدارة المخيمات، بل إن لبنان نفسه كان يتجه إلى التحول إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. كما أضعف ذلك صورة الدولة اللبنانية عربيًا ودوليًا، ورسّخ الانطباع بأنها لم تعد قادرة على ضبط النشاط المسلح الجاري على أراضيها.
الجوار كان يعيش المشكلة يوميًا
كان تلّ الزعتر على تماس شبه مباشر مع الدكوانة، وقريبًا من سن الفيل والمكلس وجسر الباشا، في قلب منطقة حيوية من المتن وشرق بيروت. وتشير PalQuest نفسها إلى أن عددًا من السكان المسيحيين المحيطين بالمخيم أصبحوا ينظرون إليه كأنه أقرب إلى معسكر مسلح، وأن المرور بمحاذاته كان يثير الخوف والقلق قبل اندلاع الحرب سنة 1975. هذه المخاوف لم تكن مجرد نتاج خطاب سياسي.
كانت هناك احتكاكات وحوادث خطف واعتداءات نُسبت إلى مسلحين فلسطينيين في محيط المخيم. وبعض هذه الوقائع بقي في الذاكرة المحلية أكثر مما بقي في الأرشيف، ولذلك لا يصح التعامل مع كل رواية متداولة على أنها مثبتة بالدرجة نفسها.
لكن حادثة واحدة على الأقل موثقة بوضوح في الصحافة الدولية المعاصرة.
خطف بشير الجميل سنة 1970
في 26 آذار 1970، نقلت وكالة أسوشيتد برس في International Herald Tribune أن بشير الجميل، نجل رئيس حزب الكتائب اللبنانية، الوزير بيار الجميل، خُطف من سيارته أثناء مروره بمحاذاة تلّ الزعتر. وأدت الحادثة إلى اشتباكات حول المخيم وتحرك رسمي انتهى بتعهد من المسلحين الفلسطينيين بإطلاق سراحه.
دلالة الحادثة لا تكمن فقط في اسم بشير الجميل، بل في توقيتها:
آذار 1970.
أي قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بخمس سنوات. هذه الواقعة تؤكد أن التوتر في محيط تلّ الزعتر لم يبدأ مع حصار 1976، بل سبقه بسنوات، في مرحلة كانت فيها مسألة السلاح الفلسطيني وسيادة الدولة تتحول تدريجيًا إلى أزمة لبنانية كبرى.
المشكلة لم تكن الفلسطيني كلاجئ
لم يكن الطفل الفلسطيني في تلّ الزعتر مسؤولًا عن خيارات الفصائل، ولم تكن العائلة التي لجأت إلى لبنان بعد 1948 صاحبة القرار العسكري.
وهذا التمييز ضروري لفهم المأساة بعيدًا عن التعميم. فالمشكلة لم تكن في وجود اللاجئ الفلسطيني بحد ذاته، بل في التحول التدريجي للمخيمات إلى جزء من بنية سياسية وعسكرية دخلت في صراع مع واقع الدولة اللبنانية ومحيطها الاجتماعي والأمني.
ومع مرور السنوات، لم يعد سكان المناطق المجاورة ينظرون إلى تلّ الزعتر من زاوية إنسانية أو اجتماعية فقط. الاحتكاكات المسلحة، والحواجز، وحوادث الخطف والاعتداء، والخوف من المرور قرب المخيم جعلت العلاقة بينه وبين محيطه أكثر توترًا وأقل قابلية للمعالجة السياسية.
بالنسبة إلى سكان الدكوانة وسن الفيل وجسر الباشا والمناطق المحيطة، أصبحت المسألة مرتبطة مباشرة بأمنهم اليومي وبحرية الحركة في مناطقهم، لا بنقاش نظري حول القضية الفلسطينية. ولهذا، عندما تفككت مؤسسات الدولة واتسعت الحرب سنة 1975، لم تعد القوى المسيحية تنظر إلى تلّ الزعتر باعتباره مجرد تجمع للاجئين. في حساباتها العسكرية أصبح موقعًا مسلحًا داخل نطاق سكاني حيوي، وعلى مقربة من طرق أساسية تربط بيروت بشرق جبل لبنان.
هنا انتقلت الأزمة من مرحلة الاحتكاك والخوف المتبادل إلى منطق الحرب المفتوحة.
1976
خلال الأشهر الأولى من سنة 1976 تعرّض المخيم لعزل وضغوط متزايدة. وفي 22 حزيران بدأ الهجوم العسكري الواسع، واستمر القتال 52 يومًا حتى سقوط تلّ الزعتر في 12 آب. وفي مطلع تموز، فيما كان الحصار مستمرًا، امتدت المعارك في شمال لبنان إلى شكا ومحيطها. وفي نظر قطاعات واسعة من البيئة والقيادات المسيحية آنذاك، عزز ذلك الخوف من اتساع الجبهات وانتقال الضغط العسكري إلى مناطق إضافية على الساحل. وجاء الرد سريعًا، واستعادت القوات المسيحية شكا ومواقع مجاورة خلال الأيام التالية.
لم تكن معركة شكا سببًا لبدء حصار تلّ الزعتر؛ فقد وقعت بعد بدايته. لكنها تساعد على فهم المناخ الذي أحاط بالمرحلة الأخيرة من المعركة: جبهات تتوسع، بلدات تسقط وتُستعاد، وخوف متزايد من أن يمتد الصراع إلى مناطق أوسع.
أما أعداد ضحايا تلّ الزعتر، فلا يوجد بشأنها إحصاء نهائي متفق عليه. تختلف التقديرات باختلاف المصادر والفترات التي تشملها وطريقة تصنيف الضحايا. لكن الثابت أن الحصار والقتال ثم الإجلاء شهدت سقوط أعداد كبيرة من المدنيين والمقاتلين، وأن عمليات قتل وانتهاكات وقعت بحق مدنيين بعد انهيار المخيم وأثناء خروجه.
ما جرى للمدنيين عند سقوط المخيم لا يغسله أي سياق تاريخي.
لكنه لا يمحو أيضًا السنوات التي سبقته: عسكرة المخيم، تراجع سلطة الدولة، والاحتكاك المتزايد مع محيطه.
تفسير الطريق الذي قاد إلى المعركة ليس تبريرًا لما ارتُكب خلالها.
الخاتمة
تلّ الزعتر ليس حكاية مخيم مدني معزول عن الحرب، ولا حكاية موقع مسلّح يبيح وجود السلاح فيه سحق سكانه.
إنه أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على الثمن الذي يدفعه المجتمع عندما تنهار الدولة وتتحول قضايا سياسية وإنسانية إلى صراعات مسلحة لا تعود المؤسسات الشرعية قادرة على احتوائها.
كان تلّ الزعتر مخيمًا يسكنه آلاف المدنيين الفلسطينيين، لكنه أصبح أيضًا، بفعل الظروف السياسية والعسكرية التي سبقت الحرب، جزءًا من شبكة أوسع من المواقع المسلحة والجبهات المتداخلة. ومع انهيار الدولة سنة 1975، بات الفصل بين المخيم كمساحة مدنية وبين دوره العسكري أكثر صعوبة، حتى انتهى الأمر بمواجهة دفع المدنيون الجزء الأكبر من ثمنها.
وهؤلاء المدنيون لم يكونوا أصحاب القرارات التي أوصلت الأمور إلى تلك النهاية. وجد كثيرون منهم أنفسهم عالقين بين قيادة فلسطينية اختارت عسكرة المخيم، وقوى لبنانية كانت تخوض حربًا تعتبرها مرتبطة بأمن مناطقها وبقائها، وتدخلات إقليمية ودولية جعلت لبنان ساحة لصراعات تتجاوز حدوده.
وعندما تنهار الدولة، لا يبقى السلاح أداة في يد طرف واحد، بل يصبح منطقًا عامًا يفرض نفسه على الجميع.
عندها تتحول المخيمات والأحياء والبلدات إلى مواقع عسكرية، والطرقات إلى خطوط تماس، والخوف إلى عنصر من عناصر القرار السياسي، والمدنيون إلى أول ضحايا الصراع.
لهذا فإن مأساة تلّ الزعتر لا تُفهم بإنكار ما جرى في 12 آب 1976، ولا باقتطاع ذلك اليوم من السنوات التي سبقته.
القتل والانتهاكات التي رافقت سقوط المخيم تبقى جزءًا مؤلمًا من التاريخ ولا يبررها أي سياق. لكن فهم التاريخ يفرض أيضًا النظر إلى الطريق الذي قاد إلى تلك اللحظة: تراجع سلطة الدولة، عسكرة المخيمات، تصاعد الاحتكاك الأهلي، ثم انهيار المؤسسات ودخول لبنان في حرب شاملة.
تفسير الأسباب ليس تبريرًا للنتائج. ومن يبدأ الرواية في 12 آب 1976 لا يروي تاريخ تلّ الزعتر؛ بل يروي فصله الأخير فقط، ويترك خارج الرواية السنوات التي صنعت الطريق إلى المأساة.
* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)












08/14/2026 - 08:47 AM





Comments