بقلم الأستاذة: سارة عليّان
ليس أشدُّ ما في الحرب صوتُ الانفجار، بل ذلك الصمت الذي يخلّفه في أرواح الذين بقوا أحياء...
في جنوب لبنان، لا يحتاج الناس إلى من يعلّمهم معنى الصمود، فهم لم يختاروه يوماً! كانوا يريدون حياةً عادية، حياةً تشبه ما يحلم به أي إنسان: صباحاً يبدأ برائحة القهوة، وحقلاً ينتظر صاحبه، وطفلاً يعود من مدرسته حاملاً دفتره لا خوفه، وأماً تنام مطمئنة لأن أبناءها جميعاً تحت سقف واحد. لكن حين يُصبح الأمان ضيفاً عابراً، يتحوّل الصمود من فضيلة إلى ضرورة، ومن خيار إلى قدر.
في الجنوب، لا تُقاس السنوات بالتقويم، بل بعدد المرات التي اضطر الناس فيها إلى إعادة بناء ما تهدّم، وإحياء ما انكسر، واستعادة نبض الحياة من تحت الركام. هناك، لا يكبر الأطفال على أصوات العصافير وحدها، بل على أسئلة لا تليق بأعمارهم: هل سنعود إلى البيت؟ هل ستبقى المدرسة مفتوحة؟ وهل سيأتي الغد حاملاً خبراً يطمئن القلوب؟
أيُّ عدالةٍ هذه التي تجعل إنساناً يدافع كل يوم عن أبسط حقوقه: أن يعيش؟
ليس أهل الجنوب عشّاق مآسٍ، ولا هواة بطولات. هم أناس يحبون الحياة بقدر ما يحبها كل البشر. يزرعون لأنهم يؤمنون بأن الأرض تستحق أن تُورق، ويبنون لأنهم يؤمنون بأن البيوت خُلقت لتحتضن العائلات لا لتتحول إلى ذكرى. يرفضون أن يتحول الخوف إلى هوية، أو أن يصبح القلق لغةً يومية يتوارثها الأبناء. ومع ذلك، يُطلب منهم دائماً أن يكونوا أقوى، وأكثر صبراً، وأكثر احتمالاً! لكن من قال إن الإنسان خُلق ليُختبر في قدرته على التحمّل إلى ما لا نهاية؟
إن أخطر ما تفعله الحروب أنها لا تسرق الحاضر فقط، بل تحاول أن تُقنع الناس بأن المستقبل أيضاً ليس حقاً لهم. ولهذا، فإن الثورة الحقيقية ليست في التمسك بالألم، بل في التمسك بالحياة...
الثورة أن يصرّ المزارع على غرس شجرة زيتون وهو يعلم أن الريح قد تعصف بها. أن تفتح الأم نافذة بيتها كل صباح وكأنها تعلن أن الخوف لن يحتل قلبها. أن يذهب الطفل إلى مدرسته حاملاً حقيبته، لا لأن الطريق آمنة دائماً، بل لأن العلم والحياة يجب ألا يُهزما...
لسنا بحاجة إلى قصائد تمدح صبر الناس، بل إلى عالم يعترف بأن الصبر ليس بديلاً عن العدالة. ولسنا بحاجة إلى التصفيق لمن ينجو، بل إلى موقفٍ يحمي حق الإنسان في ألا يُجبر على النجاة كل يوم.
لقد تعب الجنوب من أن يُعرَّف فقط بما تحمله نشرات الأخبار. فالجنوب ليس خرائط اشتباك، ولا عناوين عاجلة، ولا أرقاماً في تقارير المساء. الجنوب وجوهٌ تحفظ أسماء الزيتون، وقرى تعرف معنى الجيرة، وأمهات يخبزن الخبز بيد، ويخفين القلق باليد الأخرى، وشبابٌ يحلمون بوطنٍ يمنحهم سبباً للبقاء لا سبباً للرحيل...
لن نقبل أن يصبح اعتياد الألم فضيلة، ولا أن يُقدَّم الصمود وكأنه البديل الطبيعي عن السلام. فالإنسان لا يُولد ليكون بطلاً في مواجهة المآسي، بل ليكون حراً، آمناً، وكريماً. ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق ضمير العالم كله: كم مرةً ينبغي لإنسانٍ أن يثبت أنه يحب الحياة، قبل أن يُمنح حقه في أن يعيشها؟











08/02/2026 - 11:42 AM





Comments