حين انتصرت الحقيقة: كيف صوّب اللبنانيون الرواية في نيويورك
بيار مارون *
في المدن الكبرى، لا تكون النُصُب التذكارية مجرد حجارة أو معادن، بل تصبح جزءًا من الذاكرة العامة، تُعرّف بالأشخاص الذين كرّمتهم، وتروي للأجيال القادمة قصصهم وهويتهم.
وحين كشفت مدينة نيويورك، في 30 نيسان/أبريل 2026، عن نصب «القلم: شعراء في الحديقة» في ساحة إليزابيث بيرغر، كان الهدف تكريم أربعة من أبرز أعلام حركة المهجر: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، وإيليا أبو ماضي. هؤلاء الأدباء، الذين وُلدوا في لبنان التاريخي، تركوا أثرًا عميقًا في الأدب العربي والإنكليزي، وكانوا من أبرز الأصوات التي أسهمت في نهضة أدبية تجاوز تأثيرها حدود الوطن إلى العالم، وارتبطت بتاريخ المهاجرين الأوائل في حي «سورية الصغرى» (Little Syria) في مانهاتن. غير أن اللوحة التعريفية المرافقة للنصب روت قصة مختلفة؛ قصة ناقصة وملتبسة.

فقد وصفت الأدباء بأنهم «سوريون»، استنادًا إلى استخدام تاريخي يعود إلى أواخر العهد العثماني، حين كان تعبير «سورية» يُستعمل للدلالة على منطقة جغرافية واسعة ضمّت لبنان الحالي. غير أن هذا المصطلح اكتسب في العصر الحديث دلالة وطنية مختلفة، وأصبح استخدامه، من دون أي توضيح، كافيًا لحجب الهوية اللبنانية للأدباء الذين جاء النصب أصلاً لتكريمهم. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، لم يكن الأمر مجرد اختيار لغوي، بل مسألة تتعلق بالدقة التاريخية وصون الإرث الثقافي.
سوء فهم تاريخي… وتصحيح عبر الحوار المؤسسي
جاءت المبادرة الأولى من منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)، التي وجّهت رسالة رسمية موثقة إلى دائرة الحدائق في مدينة نيويورك (NYC Parks)، أوضحت فيها الخلفية التاريخية للمسألة، وبيّنت أن الأدباء الأربعة الذين يكرمهم النصب هم لبنانيون، وأن إبراز هذه الحقيقة لا يتعارض مع التاريخ، بل يُكمله. ولاحقًا، انضمت القنصلية اللبنانية في نيويورك وجهات لبنانية أخرى إلى جهود المتابعة والتواصل مع السلطات المختصة، في إطار تعاون هدفه الوصول إلى صياغة أكثر دقة للنص التعريفي.
لم يكن الخطاب تصادميًا، ولم يشكك في نوايا المدينة أو في أهمية المشروع الثقافي، بل استند إلى الوثائق والحقائق التاريخية. ولم يكن الطلب معقدًا، بل كان واضحًا وبسيطًا: «أن يُكرَّم هؤلاء الأدباء بما ينسجم مع هويتهم التاريخية والثقافية». وقد استجابت مدينة نيويورك لهذا الطرح.
ففي مراسلات رسمية صادرة عن جوناثان كوهن، مدير قسم الفنون والآثار في NYC Parks، أقرت المدينة بالحاجة إلى مراجعة النص، ثم أكدت لاحقًا أنها عدّلته ليُوضح أن غالبية سكان «سورية الصغرى» كانوا من لبنان، وأن الأدباء الأربعة الذين يحتفي بهم النصب هم «من لبنان». ولم يكن ذلك انتصارًا لطرف على آخر، بل كان انتصارًا للدقة التاريخية.
لماذا يُعد هذا التصحيح مهمًا؟
قد يبدو للبعض أن الأمر لا يتجاوز تعديل عبارة على لوحة تعريفية، لكن الكلمات التي تُنقش على النُصُب العامة لا تصف الماضي فحسب، بل تُسهم في تشكيل الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة. فالذاكرة العامة تُبنى بالكلمات، والكلمات تصوغ فهم المجتمعات لتاريخها. ولا تكمن أهمية هذه القصة في استبدال كلمة بأخرى، بل في تأكيد مبدأ أساسي: أن الهوية الثقافية لا تُصان بالشعارات، وإنما بالبحث، والتوثيق، والحوار المؤسسي.
كما أن هذا التصحيح لا يُلغي تاريخ حي «سورية الصغرى»، ولا ينكر أن هذه التسمية كانت مستخدمة في سياقها التاريخي. بل يقدّم الصورة كاملة؛ فقد ضم الحي مهاجرين من مختلف أنحاء بلاد الشام، وكان معظم سكانه من لبنان، كما أن الأدباء الأربعة الذين خُصص لهم هذا النصب هم جميعًا من أبناء لبنان. وهكذا أصبحت اللوحة أكثر دقة، وأكثر وفاءً للوقائع التاريخية التي يمثلها النصب، من دون أن تُنكر السياق التاريخي الذي نشأت فيه تسمية الحي.
نموذج يُحتذى به في حماية التراث الثقافي
تكشف هذه القصة أن الدفاع عن الهوية الثقافية لا يحتاج إلى صخب أو خصومات، بل إلى مبادرات مدروسة، ووثائق موثوقة، وحوار يحترم المؤسسات ويخاطبها بلغة التاريخ.
كما تؤكد أن المؤسسات العامة، عندما تُقدَّم لها الأدلة بروح التعاون والاحترام، تكون مستعدة للاستماع، والمراجعة، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح. وهذه التجربة تُظهر كيف تستطيع الجاليات أن تؤدي دورًا إيجابيًا في حماية تراثها الثقافي، من خلال العمل المؤسسي والتواصل الحضاري، بعيدًا عن الانفعال أو الخطاب التصادمي.
إن قصة «القلم» ليست مجرد تصحيح لوحة تعريفية، بل تذكير بأن الهوية اللبنانية، رغم ما مرّ به الوطن من أزمات، لا تزال حيّة في وجدان أبنائه أينما وجدوا. كما تؤكد أن لبنان، رغم تحدياته، ما يزال يمتلك إرثًا ثقافيًا وإنسانيًا يفرض احترامه حين يُقدَّم بالدقة والموضوعية والحوار المؤسسي. ولعل أهم ما تكشفه هذه القصة أن الدفاع عن الهوية لا يكون بالصوت الأعلى، بل بالحجة الأقوى.
لقد صحّحت مدينة نيويورك اللوحة. وصوّب اللبنانيون الرواية. وهذه قصة تستحق أن تُروى.
* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)










08/01/2026 - 16:29 PM





Comments