بقلم فرنسوا الجردي
في جلسة مساءلة الحكومة، لم يأتِ كلام رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل من موقع المزايدة السياسية، ولا من رغبة في إسقاط حكومة نواف سلام. جاء كلامه واضحًا، مباشرًا، وعفويًا، وكأنه يضع يده على جوهر الأزمة اللبنانية بكلمتين تختصران المرحلة: «لا أقول لك استقِل… بل احكم».
هذه العبارة ليست مجرد موقف سياسي عابر. إنها رسالة إلى الحكومة بأن اللبنانيين لم يعودوا يريدون المزيد من القرارات والبيانات، بل يريدون دولة قادرة على تنفيذ ما تقرره.
من القرار إلى التنفيذ
الجميّل لم يناقش مبدأ حصرية السلاح فقط، لأن المبدأ بات معروفًا. سؤاله كان أكثر صعوبة: متى يصبح حصر السلاح واقعًا على الأرض؟
وهنا تكمن أهمية موقفه. فالدولة التي تعلن حصرية السلاح ثم تعجز عن تطبيقها تبقى دولة ناقصة السيادة. والقرار الذي لا يتحول إلى إجراء، يبقى حبرًا على ورق. لذلك وضع الجميّل الحكومة أمام مسؤوليتها المباشرة: ماذا فعلتم؟ ماذا ستفعلون؟ وما هو الجدول الزمني؟
«احكم»… لا «استقِل»
الأكثر دلالة في كلام الجميّل أنه لم يطالب الحكومة بالاستقالة، بل طالبها بممارسة صلاحياتها كاملة، وفرض هيبة الدولة والدستور والقانون على الجميع. وقد حذّر بوضوح من أن فشل الدولة في القيام بدورها قد يدفع لبنان نحو التفكك و«الصوملة». وهذا موقف سياسي متقدم، لأنه ينقل المعركة من سؤال: من يحكم؟ إلى السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة أن تحكم؟
الدولة أولًا… واللبنانيون أولًا
في كلام الجميّل أيضًا بُعد وطني يتجاوز الحسابات الحزبية. فهو يحذّر من استمرار الحرب ومن توسع الاعتداءات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يرفض أن يتحول لبنان إلى ساحة تتفاوض فيها القوى الخارجية مع قوى غير شرعية على حساب الدولة واللبنانيين. وهنا تكتمل الصورة: المطلوب ليس استبدال هيمنة بهيمنة، ولا نقل القرار من جهة إلى أخرى، بل إعادة القرار اللبناني إلى مؤسسات الدولة.
جرس إنذار لا دعوة إلى الانهيار
ربما أهم ما في موقف الجميّل أنه قال للحكومة، عمليًا: نحن لا نريد إسقاطكم، بل نريدكم أن تنجحوا.
فمساءلة الحكومة تأتي من باب الحرص على السلطة التنفيذية ودعم مشروع بناء دولة سيدة وحرة ومستقلة. وهذا هو جوهر المسألة اليوم: إما أن تصبح قرارات الدولة نافذة على الجميع، أو أن يبقى لبنان رهينة ازدواجية القرار والسلاح والحرب.
سامي الجميّل لم يرفع شعارًا انتخابيًا، ولم يقدم خطابًا إنشائيًا. لقد وضع أمام الحكومة مرآة واضحة وقال لها: الوقت ليس وقت الاستقالة… الوقت وقت الحكم. واللبنانيون، بعد سنوات من الحروب والانهيار، ينتظرون الإجابة بالفعل لا بالكلام.
فلبنان لا يحتاج دولة تتخذ القرارات فقط… بل دولة تنفذها.







09/15/2026 - 17:25 PM





Comments