الخوري الدكتور نبيل مونس
في عيد سيدة الأوجاع، أحببتُ أن أخوض قليلًا في عالم المعطوبية الوجودية التي تطال حالتنا البشرية، بل وتطال وجودنا في هذا العالم بكل ما فيه من ضعفٍ وألمٍ وانكسار. وهل يمكن للإنسان أن ينتصر على قدرية هذا الصراع الذي يرافق حياته على الأرض؟
نحن نعيش، كما قال أحد النساك، في وادي الدموع. وحتى أولئك الذين استطاعوا أن يجدوا حلولًا مؤقتة أو مرحلية لبعض أوجاع الحياة، سرعان ما يكتشفون أن السؤال الأعمق لا يزال قائمًا.
إنها القضية الإنسانية العميقة التي يعاني منها الكبار والصغار، المؤمنون والملحدون، الأصحاء والمرضى. ما هذا القدر الذي يرافقنا؟ من أين يأتي الألم؟ أين نجد الجواب؟ وكيف نعرف الحقيقة؟
في مثل هذا اليوم، نتوقف أمام وجه أمّ الحياة، مريم، الأم التي اختارها الله منذ الأزل لتكون أمًا للمخلّص، وحاملةً في قلبها سرّ النعمة والبركة والرحمة والفرح والسلام، لتصل إلى قلب الإنسان.
وقف أمامها النبي سمعان الشيخ، كما يخبرنا إنجيل البشرى السعيدة، وقال لها: «وأنتِ أيضًا سيجوز في نفسكِ سيف».
ومنذ تلك اللحظة، توحّد قلب مريم مع قلب ابنها، وتوحّد مصيرها مع رسالته الخلاصية، رسالة الفداء. لم تكن مريم واقفة عند أقدام الصليب كأمٍّ تتألم فقط، بل كأمٍّ دخلت في سرّ الفداء بكل كيانها. وفي كل وجع من أوجاعها، نرى أوجاع الأمهات والأبناء، ونرى دموع الإنسان في دروب الحياة.
قالت مريم نعم لله، ليس مرة واحدة، بل في كل مراحل حياتها، وفي كل أوجاعها، حتى تعيش مع ابنها سرّ الفداء والخلاص من أجل البشرية جمعاء.
كانت دائمًا تشير إلى المخلّص، إلى ابنها يسوع المسيح، الفادي، ابن الله الحق، الذي جاء إلى العالم ليخلّص العالم. ولهذا، لن نستطيع أن نخرج من ضيق العذاب والقهر والقلق والحروب والأوجاع إلا بالرجوع إلى الروح الحق، وإلى الفداء الحق، وإلى دم المسيح النقي الطاهر.
فدموع مريم وأحزانها ليست دموعًا عابرة. إنها دموع بريئة، نقية، حقيقية. ليست نتيجة موقف بشري، ولا تصديق إنساني، ولا تصويت ديمقراطي، بل هي ثمرة كلمة الله ونبوءته التي أُعلنت بالوحي والروح القدس في هيكل أورشليم، يوم قال سمعان الشيخ كلمته.
وقد صدقت النبوءة في حياتها، وما زالت أصداؤها تتردد حتى يومنا هذا. والجواب يأتي واضحًا، لكنه يأتي دائمًا متواضعًا، نقيًا، أمينًا، من حول العالم: الله لم يترك الإنسان وحده في ألمه.
حتى اليوم، تشاركنا أمّنا مريم أوجاعنا. وفي كل أنحاء العالم، حيث يبكي الإنسان ويتألم ويصرخ، نسمع صدى قلبها الأمومي: إنها تصلّي، وتبكي، وتشير إلى الحق. والحق قد ظهر وأُعلن بالمحبّة التي لا مثيل لها، من على الصليب.
هناك، على الجلجلة، لم يعد السؤال عن معنى الألم مجرد سؤال فلسفي أو وجودي. هناك ظهر الجواب في شخص المسيح المصلوب.
«لأن الله أحبّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد».
الحب هو الجواب. والصليب هو إعلان هذا الحب. والقيامة هي انتصار هذا الحب. ويبقى السؤال المؤلم: لماذا لم تنتهِ الأحزان؟ لماذا ما زالت الآلام تضرب الإنسان؟ لماذا ما زالت الحروب والدموع والخيانة والقلق تسكن عالمنا؟ ربما لأن قلب الإنسان لم يزل يرفض الحب الإلهي.
ما زال قلب الإنسان ينبض أحيانًا بالرفض، وبالانتقام من أخيه الإنسان، بل وحتى بالابتعاد عن الله. وما دام الإنسان يرفض الحب، يبقى جرح العالم مفتوحًا. لكن مريم تقف أمامنا اليوم، لا لتزيد حزننا، بل لتقودنا من الحزن إلى الرجاء، ومن الألم إلى الصليب، ومن الصليب إلى القيامة. لذلك، إذا رأيتم اليوم دموع أمّنا مريم، فلا تقسّوا قلوبكم.
إذا رأيتم دموعها، افتحوا قلوبكم للحب.
إذا رأيتم أحزانها، تذكّروا أحزان كل أم وكل أب وكل طفل وكل إنسان يتألم في هذا العالم.
وإذا وقفتم أمام سيدة الأوجاع، فلا تسألوا فقط: لماذا الألم؟
بل اسألوا أيضًا: أين الحب؟
لأن مريم تشير لنا إلى الجواب: إنه يسوع. إنه المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات. إنه الذي حوّل الصليب من علامة للموت إلى علامة للخلاص، وحوّل الدموع إلى رجاء، والألم إلى فداء، والقبر إلى قيامة.
يا مريم، سيدة الأوجاع، يا أمّ الرحمة، يا أمًّا وقفتِ تحت الصليب وقلبكِ مطعون بسيف الألم،
خذي أوجاعنا إلى قلب ابنكِ. خذي دموع الأمهات، ودموع الأبناء، ودموع المرضى، ودموع الذين يعيشون تحت وطأة الحروب والخوف والقلق.
خذي صليبنا، كما حملتِ صليب ابنكِ في قلبكِ. وعلّمينا أن نقول معكِ، حتى في أقسى لحظات الألم: نعم، يا رب، لمشيئتك. نعم، لمحبتك. نعم، لصليبك. نعم، للرجاء. لأننا نؤمن أن آخر كلمة ليست للألم، ولا للحرب، ولا للخيانة، ولا للموت.
آخر كلمة هي للحب. وآخر كلمة هي للمسيح. وآخر كلمة هي للقيامة.
آمين.







09/15/2026 - 18:27 PM





Comments