إرث الأسد: الديكتاتورية التي لم تسقط مع سقوط الديكتاتور

08/02/2026 - 10:55 AM

San diego

 

 

معركة سوريا لاسترداد مليارات هرّبها نظام بشار الأسد عبر شركات وهمية من قبرص إلى موسكو

 

تحقيق من اعداد الباحثة والمحللة السياسية سيلفانا سمعان

منذ مطلع ٢٠٢٥، يجلس باسل السويدان كل صباح أمام ملف لا يشبه أي ملف جنائي تقليدي. فهو لا يطارد لصاً واحداً، بل شبكة كاملة. السويدان هو رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، الهيئة التي كُلّفت بمهمة تبدو مستحيلة على الورق: تفكيك خمسة عقود من الثروة التي بناها نظام آل الأسد، وإعادة جزء منها إلى خزينة دولة خرجت للتو من حرب أهلية.


 باسل السويدان

في حوارين منفصلين مع الجزيرة نت ومجلة “المجلة” خلال أبريل ٢٠٢٦، لخّص السويدان طبيعة العقبة الحقيقية التي تواجهه: إنه لا يتعامل مع أفراد منعزلين ارتكبوا جرائم فساد فردية، بل مع منظومات اقتصادية مترابطة، تشكلت وتجذرت على مدى سنوات، تتداخل فيها الملكيات وتتوزع الأصول بين أشخاص وشركات وواجهات متعددة داخل سوريا وخارجها. وأوضح أن من أبرز ما يواجهه فريقه هو محاولات بعض الأطراف نقل الأصول أو إعادة هيكلتها بسرعة فور استشعار الملاحقة، عبر أدوات قانونية ظاهرها مشروع، إضافة إلى تفاوت الأنظمة القانونية بين الدول واستخدام أدوات مالية معقدة لإخفاء الملكية الحقيقية، ما يجعل أي مسار استرداد دولي عملية بطيئة تستغرق وقتاً طويلاً.

هذه الشهادة، من الرجل المكلف رسمياً بهذه المهمة، تختصر الفكرة الأساسية لهذا التحقيق: الأنظمة الاستبدادية تسقط في أيام، لكن البنية المالية التي بنتها لا تسقط معها. فالشركات الوهمية لا تسقط بسقوط الحكومات.

يوم الخميس ٣٠ يوليو/تموز ٢٠٢٦، وثّقت كاميرات الهواتف في مدن سورية عدة مشهداً رمزياً: عمّال يفرمون رزماً من العملة الورقية القديمة التي حملت لعقود صورتي حافظ وبشار الأسد، بعد انتهاء المهلة الرسمية التي حددها مصرف سوريا المركزي لتداولها. في جرمانا قرب دمشق، قال صاحب محل لموقع “تلفزيون سوريا” إنه لم يعد يقبل سوى فئتين من العملة القديمة ورفض الباقي. وفي ريف دير الزور، خرج عشرات الأهالي محتجين على رفض الصرافين والأفران التعامل بالأوراق القديمة قبل الموعد النهائي.

هذا المشهد يلخّص بدقة الفارق الذي يقوم عليه هذا التحقيق: العملة الورقية شيء ملموس، محدود العدد، يمكن جمعه وفرمه والاحتفال بنهايته في يوم واحد أمام الكاميرات. أما الشبكة المالية الحقيقية، الشركات المسجلة في جزر العذراء البريطانية وقبرص، والعقارات المسجلة بأسماء وسطاء في موسكو ولندن ومدريد، والحسابات المصرفية التي تُنقل من ولاية قضائية إلى أخرى بضغطة مفتاح. فلا تاريخ انتهاء صلاحية لها. هذا بالضبط ما يجعل عمل لجنة السويدان يستغرق سنوات، بينما استغرق التخلص من صورة الأسد على الورقة النقدية أشهراً معدودة فقط.

بشار وسماء الاسد

الأدلة على هذه البنية موثقة بشكل مباشر. ففي تحقيق نشرته منظمة “Global Witness” بعنوان “رجال أموال الأسد في موسكو”، استناداً إلى بيانات مصرفية مسرّبة، وُثّق كيف استخدمت شبكة يقودها رجل الأعمال جورج خوري شركات وهمية في قبرص وجزر العذراء البريطانية، ارتبط بعضها بالمركز السوري للدراسات والبحوث العلمية المسؤول عن برنامج الأسلحة الكيميائية، بينما استفادت الشبكة، بحسب التحقيق، من غطاء سياسي عبر علاقات مع جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي. التحقيق نفسه رصد شراء أبناء عمومة الأسد من عائلة مخلوف مكاتب وشققاً في برج شهير بموسكو بقيمة ٤٠ مليون دولار، جرى تسجيل بعضها عبر شركات روسية بأسماء وسطاء محليين.

هذا النمط ليس استثناءً سورياً. ففي إسبانيا، أعلنت السلطات مصادرة ٥٠٣ عقار بقيمة ٧٤٠ مليون دولار تعود لرفعت الأسد، عم بشا وأقاربه، في إطار تحقيق بغسل أموال شمل تجميد حسابات ١٦ شخصاً ٧٦ شركة، بحسب بيان رسمي رصدته منظمة OCCRP. وفي المجر، وثّق تحقيق مشترك بين OCCRP والموقعين المحليين “Direkt36” و”444” حصول رجل أعمال أُدرج على قائمة العقوبات الأميركية عام ٢٠١٦ على إقامة دائمة عبر برنامج التأشيرة الذهبية المجري، رغم إدراجه على القائمة السوداء الأميركية.

أين المال اليوم؟ ثلاث جبهات موثقة، وفجوة معلن عنها..

بعد سقوط النظام، لم تُغلق هذه الشبكات تلقائياً. فبحسب تقرير “برنامج التطوير القانوني السوري” (SLDP) الصادر في يونيو/حزيران ٢٠٢٥، ورصدته OCCRP، تعمل السلطات السورية الجديدة على تتبع أصول هرّبها رجال أعمال مقربون من النظام عبر شركات وهمية للالتفاف على العقوبات، رغم أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال قد يكون جرى غسله بالفعل عبر قنوات مالية عالمية يصعب اختراقها، بحسب التقرير الذي صنّف تحوّل سوريا إلى ما يشبه دولة كبتاغون كأحد أبرز أوجه هذا الفساد.

على الجبهة الأميركية، حوّلت وزارة الخزانة بنية عقوباتها بالكامل بعد سقوط النظام: ففي ٣٠ يونيو/حزيران ٢٠٢٥ أصدر الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً برفع العقوبات الشاملة عن سوريا، وأعادت “أوفاك” (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية) تسمية برنامج العقوبات إلى “برنامج تعزيز المساءلة عن الأسد واستقرار المنطقة” (PAARSS)، بحيث بقي العقاب موجهاً حصراً لمن لا يزال مرتبطاً ببشار الأسد شخصياً أو بانتهاكات حقوق الإنسان أو ملف الأسلحة الكيميائية. لكن قوائم الأشخاص المدرجين لدى الخزانة الأميركية لا تزال، حتى صيف ٢٠٢٦، تضم أسماء وشركات تجارة سلع ووسطاء ماليين مسجلين في الإمارات العربية المتحدة، ضمن شبكات كانت تخدم النظام السابق ولا تزال قيد المراقبة.

أما الفجوة، فمُعلنة بوضوح: لا يوجد حتى تاريخ نشر هذا التحقيق أي تقرير محقق منشور يؤكد بالوثائق انتقال جوهر الشبكة المالية بكاملها أو بجزء محدد منه إلى وجهة عربية أو تركية بعينها بعد ديسمبر ٢٠٢٤. ما هو موثق هو نية الحكومة السورية الجديدة تتبع هذه الأصول عبر لجنة السويدان، وتحذير Global Witney نفسها من أن غياب سجلات شفافة للملكية الحقيقية في الأقاليم البريطانية الخارجية وبعض الولايات القضائية الأوروبية يجعل هذا التتبع شبه مستحيل في المدى القصير.

سياق الأرقام: ١٣٧ مليون دولار من أصل ماذا؟

لا يكشف رقم الـ١٣٧ مليون دولار وحده حجم التشابك بين النظام السابق وشبكات التمويل الدولية. فبحسب دراسة أعدها “برنامج التطوير القانوني السوري” و”مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”، ورصدتها منظمة  OCCRP، دفعت الأمم المتحدة نحو ١٣٧ مليون دولار كمشتريات لشركات سورية مرتبطة بأشخاص ومنشآت ذات صلة بالنظام السابق خلال عامي ٢٠٢٩ و٢٠٢٠. لكن هذا الرقم يحتاج إلى وضعه في سياقه الأوسع: فقد تدفق أكثر من ٤٠ مليار دولار من المساعدات إلى سوريا منذ عام ٢٠١١، ذهب أكثر من نصفها عبر منظومة الأمم المتحدة. والأهم أن الدراسة وجدت أن 46.6% من مشتريات الأمم المتحدة في سوريا خلال عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٠ أي ما يقارب النصف ذهبت إلى موردين صُنّفوا بأنهم يحملون مخاطر عالية أو عالية جداً للارتباط بانتهاكات حقوق الإنسان التابعة للنظام. بمعنى آخر، الرقم الأصغر١٣٧ مليون دولار ليس استثناءً هامشياً، بل عيّنة موثقة من نمط أوسع بكثير طال ما يقارب نصف عمليات الشراء الأممية في تلك الفترة.

كما وثّق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في تقرير منفصل أن النظام السابق استفاد من فرق سعر الصرف الرسمي مقابل السوق السوداء في تعاملاته مع وكالات الأمم المتحدة، محققاً ما لا يقل عن مليار دولار من هذه الفجوة وحدها بحسب تقديرات متحفظة، فيما قدّرت دراسة أخرى نشرتها OCCRP أن التلاعب بسعر الصرف عام ٢٠٢٠ وحده أدى إلى تحويل نحو ١٧٠ مليون دولار من أموال المانحين. هذه الأرقام مجتمعة ترسم صورة لنظام استخدم البنية التحتية الإنسانية الدولية نفسها كقناة تمويل جانبية، لا كاستثناء عرضي.

لفهم حجم التحدي الذي يواجهه السويدان وفريقه، يكفي النظر إلى ثلاث سوابق تاريخية شهدت السيناريو نفسه بالضبط: سقوط سريع للديكتاتور، ومطاردة بطيئة لا تنتهي لثروته.

الفلبين: بعد سقوط فرديناند ماركوس عام ١٩٨٦، أُنشئت هيئة “اللجنة الرئاسية للحكم الرشيد” (PCGG) لملاحقة ثروته المقدرة بين ٥ و١٠ مليارات دولار. بعد نحو أربعين عاماً من الملاحقة القضائية عبر محاكم في عدة دول، لم تسترد الفلبين بحسب تقارير إعلامية فلبينية متعددة استندت إلى بيانات اللجنة نفسها أكثر من نحو ٤ مليارات دولار فقط، أي أقل من نصف التقدير الأدنى للثروة المنهوبة، فيما لا تزال مئات القضايا عالقة أمام المحاكم حتى اليوم.

ليبيا: جمّد مجلس الأمن الدولي أصول الهيئة الليبية للاستثمار (LIA) عام ٢٠١١ فور سقوط معمر القذافي، بقيمة قُدّرت بعشرات المليارات من الدولارات. بعد أكثر من أربعة عشر عاماً، وتحديداً في يناير/كانون الثاني ٢٠٢٥ فقط، سمح مجلس الأمن للهيئة بإعادة استثمار جزء من أموالها المجمدة ضمن شروط صارمة أي أن الأموال، البالغة نحو ٧٠ مليار دولار بحسب تقييمات الهيئة نفسها، لا تزال إلى اليوم مجمدة رسمياً، لم تُعَد بعد إلى التصرف الكامل للدولة الليبية.

العراق: بعد سقوط صدام حسين عام ٢٠٠٣، قدّر مسؤولون أميركيون الثروة المنهوبة بما بين ١٠ و٤٠ مليار دولار، عبر شبكة من الشركات الواجهة والحسابات الوهمية بأسماء أفراد العائلة والمقربين. وبحسب تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي (GAO) صدر عام ٢٠٠٤، فإن تقدماً ضئيلاً جداً أُحرز في استرداد هذه الأصول المخفية، نظراً لصعوبة تتبع الشبكة نفسها عبر الأنظمة المالية الدولية.

الخيط المشترك بين الحالات الثلاث واضح: الأنظمة السياسية تنهار في أيام أو أسابيع، بينما البنية المالية الموازية التي بنتها تحديداً حين تعتمد على شركات واجهة، وسطاء بأسماء مستعارة، وولايات قضائية متعددة لا تتشارك المعلومات بسهولة، تحتاج إلى عقود لتُفكَّك، إن أمكن تفكيكها بالكامل أصلاً. لا توجد حالة واحدة من الحالات الثلاث استعادت فيها الدولة الخلَف أكثر من نصف الثروة المقدرة المنهوبة.

العملة السورية القديمة

انتهت صلاحية العملة السورية القديمة في يوم واحد. أما الشركات، فليس لها تاريخ انتهاء. هذا هو الدرس الذي تكرر في مانيلا وطرابلس وبغداد، وتكرر يتكرر اليوم في دمشق، حيث يجلس باسل السويدان وفريقه أمام مهمة قد تمتد، إذا اتبعت النمط نفسه، لعقود بعد أن يكون آخر من شهد سقوط النظام قد نسي كيف كانت تبدو الورقة النقدية القديمة أصلاً.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment