شيخ الأزهر الإنسان.. حين يخطف التواضع الألقاب

08/02/2026 - 03:56 AM

Jonathan Amireh

 

 

 

بقلم: عزت سلامة

في زمنٍ سبقت فيه الألقاب الأسماء، وأحاطت المناصب أصحابها بهالة من الرسميات والفشخرة، يخرج الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ليقدم لنا درساً عملياً في التواضع والإنسانية، لا بالمواعظ والخطب، وإنما بالمواقف.

اتصل شيخ الأزهر بإحدى الطالبات ليزف إليها بنفسه خبر تفوقها في نتيجة الثانوية الأزهرية، وبينما كانت الطالبة تغمرها الدهشة والفرحة، لم تكن تعلم من المتحدث. وقبل أن تنتهي المكالمة سألته بعفوية: "حضرتك مين؟" فجاء الرد بسيطاً، عظيماً في معناه، وبكل تواضع قال: "أنا أحمد الطيب".

لم يقل الإمام الأكبر، ولم يقل شيخ الأزهر، ولم يسبق اسمه بأي لقب، وكأنه أراد أن يؤكد أن قيمة الإنسان ليست فيما يحمل من ألقاب، وإنما فيما يتركه من أثر في قلوب الناس.

ذلك هو أحمد الطيب... العالم الذي لم تغيره المناصب، والصعيدي الأصيل الذي ما زال يحمل قيم الكرم والتواضع والنبل التي تربى عليها. يدرك أن الدنيا زائلة، وأن الباقي هو العمل الصالح، وأن أعظم ما يخلده الإنسان هو حسن الخلق وخدمة الناس.

وليس هذا الموقف استثناءً في حياة شيخ الأزهر، فمن يعرف سيرته يدرك أن مكتبه لم يكن يوماً مغلقاً في وجه صاحب حاجة، ولا في وجه طالب علم، ولا أمام من يلتمس العون. أما ساحته في قريته القرنة بمحافظة الأقصر، فهي شاهد حي على هذا النهج، حيث يرتادها العشرات يومياً، يجدون فيها الطعام والشراب وكرم الضيافة، في صورة تجسد أصالة الصعيد وقيم الإسلام السمحة.

إن عظمة الرجال لا تقاس بحجم المناصب التي يشغلونها، بل بقدرتهم على البقاء قريبين من الناس مهما علت مكانتهم. وهذه هي الرسالة التي يقدمها الإمام الأكبر كل يوم دون ضجيج أو استعراض.

في زمن يحتاج فيه المجتمع إلى القدوة، يظل الدكتور أحمد الطيب واحداً من النماذج التي تؤكد أن التواضع لا ينتقص من الهيبة، بل يزيدها، وأن الاحترام الحقيقي لا يُفرض باللقب، وإنما يُكتسب بالأخلاق. وما أجمل أن يكون صاحب أكبر مؤسسة دينية سنية في العالم الإسلامي هو أول من يجرد نفسه من الألقاب عندما يتحدث إلى الناس، لأن الإنسان يبقى إنساناً، أما المناصب فإلى زوال.

رحم الله من أدرك أن الباقيات الصالحات خير من كل منصب، وأن الكلمة الطيبة، والخلق الكريم، وخدمة الناس، هي الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد أن تنتهي رحلة الدنيا.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment