بقلم: د. محمد نصار
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها بوساطة سياسية أو اتفاق مؤقت، بل يمر بمرحلة هي الأخطر منذ عقود، تتشابك فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، وتتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد الاقتصادية والأمنية، حتى أصبحت المنطقة أقرب إلى حافة الهاوية منها إلى الاستقرار.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تغيرات جذرية في طبيعة الصراعات ، فبعد أن كانت النزاعات محصورة داخل حدود دول بعينها، تحولت تدريجيا إلى صراعات ذات امتدادات إقليمية ودولية، تتنافس فيها قوى كبرى على النفوذ، بينما تجد دول المنطقة نفسها أمام تحديات غير مسبوقة، تفرض عليها إعادة صياغة سياساتها الأمنية والدبلوماسية.
إن أخطر ما يميز المشهد الراهن ليس حجم العمليات العسكرية فقط، وإنما غياب اليقين. فلا أحد يستطيع الجزم بحدود التصعيد أو توقيت نهايته أو الأطراف التي قد تنخرط فيه لاحقًا. وفي ظل هذا الغموض، تصبح أي شرارة قابلة لإشعال مواجهة أوسع، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرارات مدروسة، بل قد تنطلق من حادث محدود أو سوء تقدير أو قراءة خاطئة لرد فعل الطرف الآخر. ولهذا فإن المنطقة تواجه اليوم تحديًا بالغ الحساسية، يتمثل في منع تحول الأزمات الحالية إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب السيطرة عليها.
ورغم تعدد اللاعبين على الساحة، فإن لكل طرف حساباته الخاصة ، فهناك دول تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، وأخرى ترى أن الردع العسكري ضرورة لحماية أمنها، بينما تنظر قوى دولية إلى المنطقة باعتبارها إحدى أهم ساحات المنافسة على النفوذ العالمي، لما تمثله من أهمية استراتيجية واقتصادية.
فالشرق الأوسط لا يزال يحتفظ بمكانته باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، كما يضم ممرات بحرية حيوية تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة الدولية. ومن ثم، فإن أي اضطراب واسع في المنطقة لا يظل شأنًا إقليميًا، بل يتحول سريعًا إلى أزمة عالمية تؤثر في الاقتصاد وأسعار الطاقة وحركة التجارة والاستثمار.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من المستفيد الحقيقي من استمرار الصراع؟
قد تحقق بعض القوى مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، سواء عبر تحسين مواقعها العسكرية أو تعزيز أوراقها التفاوضية أو توسيع مناطق نفوذها. كما تستفيد الصناعات العسكرية عالميًا من تصاعد التوترات، إذ ترتفع معدلات الإنفاق الدفاعي وتزداد صفقات التسليح بصورة ملحوظة.
غير أن هذه المكاسب تبقى محدودة إذا ما قورنت بالخسائر الإنسانية والاقتصادية التي تتحملها الشعوب. فالحرب تعني مزيدًا من الضحايا، وتعطيل التنمية، وتراجع الاستثمار، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الخدمات الأساسية، فضلًا عن موجات نزوح جديدة تضيف أعباءً على الدول المستقبلة.
ولا تقف التداعيات عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى الأمن الغذائي، حيث يؤدي اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، خاصة في الدول النامية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد.
كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، فتتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتتأخر المشروعات الكبرى، وتزداد كلفة التمويل، وهو ما ينعكس على فرص العمل ومستويات النمو الاقتصادي.
وفي المقابل، تدرك العديد من الدول أن الانجرار إلى مواجهة واسعة قد تكون كلفته أعلى بكثير من أي مكسب سياسي أو عسكري محتمل، ولذلك تتبنى سياسات تقوم على ضبط النفس، وتجنب الانفعال، والاحتفاظ بهامش للمناورة السياسية والدبلوماسية، بما يحافظ على مصالحها الوطنية ويمنع اتساع دائرة الصراع.
إن الحكمة في إدارة الأزمات لا تعني الضعف، بل تعكس إدراكا بأن الحفاظ على الأمن القومي لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية، وإنما أيضًا بحسن إدارة المواقف، والقدرة على تجنب الفخاخ السياسية التي قد تستهدف استدراج أطراف جديدة إلى ساحات القتال.
وفي عالم شديد الترابط، لم تعد الحروب المحلية محلية بالفعل، بل تتحول سريعًا إلى أزمات عابرة للحدود ، فاضطراب الملاحة البحرية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع حركة التجارة، وأزمات اللاجئين، وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة، كلها نتائج قد تمتد آثارها إلى قارات بعيدة عن مسرح الصراع.
ومن زاوية أخرى، فإن الرأي العام العالمي بات أكثر تأثيرًا في إدارة الأزمات، مع التطور الهائل في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ، غير أن هذا الفضاء المفتوح أصبح أيضًا ساحة لحروب المعلومات، حيث تتداخل الحقائق مع الدعاية، وتتنافس الروايات المختلفة على كسب التأييد الدولي، وهو ما يجعل التحقق من المعلومات والتعامل معها بمهنية أمرًا بالغ الأهمية.
إن المنطقة اليوم بحاجة إلى مشروع للاستقرار أكثر من حاجتها إلى مشاريع للمواجهة. فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بامتلاك السلاح، وإنما بإقامة علاقات متوازنة، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، وإعطاء الأولوية للحلول السياسية كلما أمكن ذلك.
لقد دفعت شعوب الشرق الأوسط ثمنًا باهظًا على مدار العقود الماضية ، مدن دُمرت، واقتصادات أُنهكت، وأجيال نشأت في ظل الحروب والأزمات، الأمر الذي يجعل أي تصعيد جديد عبئًا إضافيًا على حاضر المنطقة ومستقبلها.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تنتصر لغة العقل على صوت المدافع، وأن تدرك جميع الأطراف أن الاستقرار الإقليمي ليس مصلحة لدولة بعينها، بل ضرورة جماعية تحفظ الأمن والتنمية ومستقبل الأجيال القادمة.
إن التاريخ يعلمنا أن الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها أحد. ولذلك، فإن المسؤولية السياسية اليوم تقتضي تغليب الحكمة على الانفعال، والدبلوماسية على التصعيد، لأن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة، والعالم بأسره يدرك أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح أحد أهم مفاتيح الاستقرار الدولي في القرن الحادي والعشرين.










08/01/2026 - 14:58 PM





Comments