الجيش اللبناني... مؤسسة تحفظ وطن

08/01/2026 - 11:18 AM

Your Ad Here

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز 

إنَّ لبنان، في جوهره العميق، هو "رغبةٌ قد تكون غريزية في التعايش والوجود المشترك"، وضرورةٌ حضارية تفترضُ وجود حارسٍ يتسامى فوق النزاعات ليحمي جوهر الكيان الذي يختلفُ في تكوينه عن كل الكيانات في المنطقة والعالم. وإذا كان لبنان قد استمرَّ كدولةٍ صامدة رغم كل العواصف والزلازل والحروب والانقسامات الداخلية، فليس ذلك لأن شعبه "عظيم" بالمطلق كما يُشاع، بل لأن جيشه هو العظيمُ الذي اجترح معجزة البقاء.

هو المؤسسة التي لم تُبنَ لتكون سياجاً لنظام أو قيداً لحرية، بل لتكون الروح التي تمنح "الهوية اللبنانية" مادتها وقوتها. إنَّ لبنان لا يملك جيشاً لكي يغزو به أحداً، بل يملك جيشاً لكي لا يغزو لبنانَ النسيانُ أو التفتت، ولكي يظلَّ التوازن الدقيق بين الحرية والنظام حقيقةً ثابتة لا تقبل الانكسار، وهي المعادلة التي سقطت فيها السياسةُ مراراً وتكراراً، فانتشلها الجيش بصمت الزهّاد وعزيمة الجبابرة.

في لبنان ثماني عشرة طائفة، ولكل طائفةٍ منها دينها، وزعيمها، ونشيدها، وحزبها، وحتى "دولةٌ" معنوية تنتمي إليها وتركنُ في ظلها، إلا طائفة "لبنان الكيان" التي يتفرد بها الجيش اللبناني؛ فهو الطائفة اللبنانية التي توحدت بانتمائها المطلق للعلم والنشيد. إنها معجزةٌ سماوية وفكرةٌ مؤسساتية عظمى، أن تصهر هذه المؤسسة أبناء كل الطوائف في بوتقةٍ واحدة؛ فيتحولون، بفعل إيمانٍ مقدس، إلى جسدٍ واحد، يأكلون ويشربون ويسهرون ويعيشون ويستشهدون معاً. زيهم واحد، وصوتهم واحد، ووجهتهم واحدة، وهتافهم الذي يزلزل المدى نشيدٌ واحد: "كلنا للوطن".

لقد عرف المشرقُ عبر تاريخه جيوشاً وُلدت لتحرس القصور والعروش والأنظمة، او جيوشا تنتمي لاكثرية تبطش بالاقليات، فاستحالت سلاسلَ تُكبّل الشعوب وتخنق الأنفاس، أما في لبنان، فقد كان الجيشُ هو "الكلمةَ والحرية والميزان" التي تجسدت وطناً، والقوةَ التي آمنت بيقينٍ لا يتزعزع بأنَّ السيادة الحقيقية هي سيادة القانون، وأنَّ قداسة الإنسان وحرمته تسبق هيبة السلطة وجبروتها.

إنَّ عظمة الجيش اللبناني تكمن في تجرده الأسمى؛ فهو يحمي الجميع، ويبذل الروح في سبيل الكل؛ يحرسُ كنيسةً ومسجدا ومدينة لا يعرف احدا فيها او ينتمي اليها، هذا هو "الانتماء اللبناني" في أرقى تجلياته؛ أن يحمل الجندي الوطن كله على كتفيه، لا الجزء الذي يشبهه أو يوافقه، بل الوطن بتناقضاته، بجماله، وبأوجاعه، في تضحيةٍ تتجاوز "الاعراف". لتصبح فعلاً إيمانياً بكيانٍ أراده الله أن يكون رسالةً للتعدد والحرية.

وفي زمن الانهيار الكبير، حيث تهاوت المؤسسات والهياكلُ المالية، وتصدعت الجدرانُ الاجتماعية، وغادر الكثيرون لبنان بحثاً عن شمسٍ بديلة ووطن بديل، بقي الجندي اللبناني وحيداً في محراب صموده. لم تكسر عزيمته فاقة، ولم يثنِ إرادته انهيارٌ اقتصادي،؛ فبقي تحت حر الشمس وزمهرير المطر، يؤدي واجبه المقدس.

إنَّ وقوف العسكري على تخوم الهاوية، حاملاً بندقيته بكرامةٍ تزدري العوز، هو "الصلاة الأقدس" التي تُرفع اليوم في سماء لبنان. لقد أثبت قادة هذا الجيش أنهم "كهنة الكيان" وحكماؤه الحقيقيون؛ فبينما كان الساسةُ يغرقون في حسابات المغانم والمحاصصات والمصالح الضيقة، كان الجيشُ يرممُ تصدعات الوطن بأهداب العيون.

إنَّ شرفه ليس في الحديد والعتاد، بل في طهر يده التي ترفعت عن دماء الداخل، وفي قلبه الذي اتسع للجميع حين ضاقت الصدور بالهويات الطائفية المتحاربة.

إنَّ "الشرف والتضحية والوفاء" في عقيدة هذا الجيش هي الأقانيم الثلاثة التي تحفظ "الرسالة اللبنانية" من التشويه والضياع؛ فالشرفُ هو أن يظل السلاحُ منزَّهاً عن أحقاد الزواريب وصراعات الزعماء، والتضحية هي أن يفتدي الجندي بدمه فشل الإدارة وقصور الرؤية السياسية، والوفاءُ هو ذاك القسمُ الأزلي للأرزة الخالدة، القسمُ الذي لا يتبدل بتبدل العهود ولا يهتزُّ أمام إغراءات السلطة العابرة. إنَّ الجيش هو الملاذ الوحيد الذي يذوب فيه اللبنانيون في "أنا" وطنية جامعة، وهو الضمير الحي الذي يذكّر الدولة كلما ضلّت الطريق بأنها وُجدت لتبقى من أجل شعبها، لا لتنتصر عليه، بل لتحتضنه وتحميه.

سلامٌ على الجيش اللبناني، المؤسسة المقدسة التي أقنعتنا، في أشد لحظات اليأس والظلام، أنَّ الدولة لم تمت بعد، وأنَّ الفكرة اللبنانية أقوى من الفناء. أنتم لستم مجرد حماة حدود، بل أنتم "حماة الوجود"، وحراس الهيكل، وروح الأرز التي تسري في عروق هذه الأرض المقدسة.

بكم يظلُّ هذا الشعب مؤمناً بأنَّ الحقَّ عندما يرتدي البزة العسكرية اللبنانية، يصبحُ قدراً لا يُرد، وكرامةً لا تُمَس، وتاريخاً يُكتبُ بمداد النور والدم: "باقون... ليبقى لبنان".

كل عام وانتم بخير

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment