متى ينتهي السباق بين الخوف من الجيش وعليه؟

07/31/2026 - 19:39 PM

San diego

 

 

بعدما اقتيد لبنان الى "التجربة الغزاوية" على خلفية منطق "وحدة الساحات"، ما على اللبنانيين سوى ترقب ما يشهده القطاع من تحولات. وعليه طرح السؤال، ما هو المطلوب ليبقى الرهان على الجيش قائما في افضل الظروف، وخصوصا لمن يرى بالعينين سوية؟

 

الجمهورية - جورج شاهين

عُرف آب بشهر الاستحقاقات العسكرية والأمنية بامتياز، ليس لأنّه تفرّد بها خلافاً لأشهر أخرى، بعدما ندرت أيام السنة التي لا تحمل ذكرى حدث ما. فلمجرد أن ولد فيه القرار 1701 منهياً حرب الأيام الـ 33 قبل 20 عاماً، بما رافقها من قصف للجسور والمنشآت العامة، فهو شاهد على حرب "فجر الجرود" قبل 9 سنوات، وفي اول أيامه عيد الجيش منذ 81 عاماً. وهو ما وضع المؤسسة العسكرية في دائرة الاهتمامات، في ظل سباق لم ينته بعد بين من يخاف عليها ومنها.

لا يكفي القول و"الحديث الموسمي"، بأنّ الجيش يحظى بإجماع اللبنانيين النادر، وبأنّه كان وسيبقى جامعاً لهم ومجسّداً "أسمى معاني التضحية والالتزام الوطني" تحت راية واحدة تقول بـ "شرف - تضحية - وفاء". وإنّه كان وسيبقى المؤسسة الوطنية التي تجاوزت أزمات عدة أصابت السلطات والمؤسسات الدستورية والخدماتية الرسمية، و"أخرجتها عن الخدمة"، بعدما افتقدت القدرة على القيام بأقل واجباتها، وبقي الركيزة الأساسية "لحماية الوطن وصون أمنه وسيادته ووحدته واستقلاله". ذلك أنّ في كل هذه الأوصاف كثيراً من الشعر والأدب، وانّ المطلوب ما يؤدي إلى ابقاء هذه المؤسسة محصنة فوق كل النزاعات الداخلية السياسية والطائفية والمذهبية، وبمنأى عن أي تدخّل في شؤونها الداخلية ووقف تصنيف قيادتها وضباطها ورتبائها وعسكرييها من مختلف الرتب، بنحو يتنافى والمهمّات الملقاة على عاتقها.

ليس في ما سبق مجرد اجترار للمواقف والمواعظ التي تُطلق في مناسبات، كتلك التي نحن في صددها اليوم في الذكرى الواحدة والثمانين لتأسيس الجيش. ذلك أنّها تفرض قراءة جديدة ومتأنية، إن فهم اللبنانيون من مختلف مواقعهم وطوائفهم أهمية الإجماع على ما هو مطلوب منها، وعدم تكرار التجارب السابقة، لئلا يعيد التاريخ نفسه. وإنّ مسلسل الحروب الذي اقتيد إليه البلد في العقود الأخيرة، يفرض وقف السباق - الذي لم يعد خافياً على أحد - بين مَن يخاف على هذه المؤسسة من أن يصيبها أي وهن، قد ينعكس على مدى وحجم الحاجة إليها من جهة، ومَن يخاف من استعادة هذه المؤسسة أدوارها الطبيعية، لتكون القوة الوحيدة المكلّفة أمن وسلامة البلاد ومواطنيها والمقيمين فيها. ووقف أي نقاش يمسّ أي خطوة تؤدي إلى إحياء السلطات والمؤسسات الدستورية لتقوم بمهامها كاملة، على قاعدة الفصل في ما بينها، ووقف أي نزاع على الصلاحيات المكرّسة في الدستور والقوانين الناظمة للدولة الطبيعية.

على هذه الخلفيات، وما يحوط بها من عوامل لا مجال لذكرها جميعها، يبدو واضحاً أنّ أي بحث في المخرج المؤدي إلى إخراج البلاد من آتون القعر الذي بلغته، وإنهاء حالة الحرب وبلوغ "اليوم التالي"، استناداً إلى قوة هذه المؤسسة كأداة مطلوبة لفرض الأمن والاستقرار بعد إنهاء الاحتلال وتداعياته، بما فيها تلك التي تتصل بورشة لملمة البلد واستعادة وحدة أراضيه وإعادة الإعمار على قواعد ثابتة، تنفي التهمة التي أُلصقت باللبنانيين لجهة ما هدروه من فرص ذهبية، كانت تسمح بعودة الحياة الطبيعية. والسعي مجدداً إلى إقامة الدولة القادرة والقوية والعادلة الضامنة لحقوق اللبنانيين دون استثناء. وهو أمر يتطلّب الخروج من بعض المسارات الهدّامة التي يمضي فيها البعض، بما يهدّد بعدم القدرة على تجاوز النكبة التي حلّت بالبلاد وفق بعض المحاذير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

- إنّ ما تعيشه المنطقة ما بين مضيقي هرمز وباب المندب وصولاً إلى شاطئ المتوسط، من مخاض نتيجة التحولات الكبرى الناجمة عمّا بلغته الحرب بين محورين كبيرين، لم يتردّد أي منهما من الزجّ بكامل قدراته العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية فيها، يفرض تحاشي القيام بأي "خطوة انتحارية" جديدة، يمكن أن تعيد "القضية اللبنانية" التي بدأت تحظى بـ "ملف مستقل" إلى درجة ما على طاولات المفاوضات، من أن تعود "مجرد ورقة" في أي من الملفات الإقليمية والدولية.

- لم يعد خافياً على أحد أنّ تشبيه ما جرى في لبنان على خلفية منطق "وحدة الساحات"، على انّه استنساخ لـ "التجربة الغزاوية"، يفرض محاكاة ما يشهده القطاع من تحولات، أبرزها ذلك المتصل بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصفته رئيساً لـ "مجلس السلام"، عن التوصل إلى "اتفاق تاريخي" يقضي بنزع السلاح بالكامل من حركة "حماس" والجماعات المسلحة، بعد إعطاء الضوء الأخضر لانتقال الإدارة الجديدة للقطاع من القاهرة إلى غزة، وتسلّم "قوة الاستقرار الدولي" و "الشرطة الفلسطينية الجديدة" مهامها، في مرحلة تقود إلى الانسحاب الإسرائيلي وإطلاق برامج الإعمار.

وبناءً على ما تقدّم، ومعه مما لا يتسع له المقال، فإنّه ليس سهلاً ان يتوقف السباق بين مَن يخاف على المؤسسة العسكرية ومنها، في ضوء الفرز المؤلم بين اللبنانيين، ما لم تتوقف الادعاءات بـ "انتصارات وهمية"، و"خاوية" من معانيها، ومعها حملات التشكيك بالجيش كمؤسسة تجاوزت المحطات الصعبة، في ظل القدرة التي عبّرت عنها قيادتها لجهة فهم المحاذير المترتبة على أي "دعسة ناقصة" وتقدير المخاطر المحيطة بالبلاد والعباد. مع الاحتساب دائماً باستحالة قيام أي "توازن واهم" مع جيش العدو الإسرائيلي، وما أصاب الجيوش العربية من وهن، بعد تحييد الكبرى منها، كما في مصر والاردن، وتدمير أخرى كما في سوريا بعد العراق واليمن، وانشغال الخليجية منها بالحروب الجديدة التي لم تكن تخطر على بال أحد، وهو ما يضع الجيش اللبناني بما هو مطلوب منه في دائرة توحي بالثقة به وبقدراته، مهما كانت الآراء من هذه المعادلة مختلفة، فهي لن تغيّر في واقع ما يلقاه الجيش من احترام إقليمي ودولي يستحقه عن جدارة.
 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment