إيران في سوريا واليمن... عندما تجاوز النفوذ حدود الإقليم -- الحلقة الرابعة

07/29/2026 - 12:32 PM

San diego

 

 

الحلقة الرابعة من سلسلة: إيران... بين الثورة والجغرافيا والنفوذ: كيف تشكل المشروع الإيراني؟

 

معتز فخرالدين *

في الحلقات السابقة تناولنا نشأة المشروع الإيراني الحديث، وكيف انتقل من خطاب الثورة وتصدير الأيديولوجيا إلى بناء شبكة من العلاقات والنفوذ خارج الحدود.

كما رأينا أن لبنان والعراق شكّلا محطتين أساسيتين في هذا المسار؛ ففي لبنان ظهر نموذج “الحليف المسلح” عبر حزب الله، وفي العراق استفادت إيران من التحولات الكبرى التي أعقبت سقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003.

لكن المشروع الإيراني لم يكتمل من دون ساحتين شكّلتا اختبارًا حقيقيًا له: سوريا واليمن.

ففي سوريا، ارتبط النفوذ الإيراني بمصير نظام حليف، وبموقع جغرافي يمثل حلقة الوصل بين طهران ولبنان.  

وفي اليمن، ارتبط النفوذ الإيراني بصراع داخلي تحول تدريجيًا إلى ملف إقليمي ودولي، بسبب موقع اليمن على البحر الأحمر وقربه من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

سوريا... من التحالف السياسي إلى الوجود الاستراتيجي

كانت العلاقة بين إيران وسوريا قائمة منذ عقود، وخصوصًا خلال فترة حكم حافظ الأسد، حيث نشأت علاقة تعاون فرضتها حسابات إقليمية مشتركة، أبرزها مواجهة العراق في بعض المراحل، والتقاطع في الموقف من إسرائيل. لكن مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انتقلت العلاقة إلى مستوى مختلف تمامًا.

رأت إيران أن سقوط النظام السوري لن يكون مجرد تغيير سياسي في دولة حليفة، بل ضربة مباشرة لشبكة نفوذها الإقليمية. فسوريا بالنسبة لطهران ليست مجرد حليف سياسي، بل تمثل موقعًا جغرافيًا حاسمًا:

- فهي الجسر البري الذي يربط إيران بالعراق ولبنان.  

- وهي نقطة أساسية في معادلة دعم حزب الله.  

- وهي جزء من الحضور الإيراني في شرق المتوسط.

وفي هذا الإطار الجغرافي والاستراتيجي، برز مصطلح “الهلال الشيعي”، الذي أثار جدلًا واسعًا، واستخدمه عدد من الباحثين والسياسيين لوصف الامتداد الجغرافي للقوى المتحالفة مع إيران من طهران مرورًا بالعراق وسوريا وصولًا إلى لبنان. وقد اعتُبر الحفاظ على هذا الامتداد أحد الأسباب التي جعلت سوريا تحتل موقعًا محوريًا في الحسابات الإيرانية. لكن أهمية سوريا بالنسبة لإيران لم تكن مرتبطة فقط بموقعها في خارطة النفوذ الإقليمي، بل أيضًا بتعقيدات بنيتها الداخلية وتركيبتها الاجتماعية والسياسية.

ظهر في تحليل الأزمة السورية مفهوم “تحالف الأقليات”، الذي يشير إلى رؤية تقول إن النظام السوري أقام شبكة تحالفات مع مكونات دينية وإثنية مختلفة، في ظل هواجس مرتبطة بموازين القوة الداخلية في بلد ذي غالبية سنية، وفي محيط إقليمي يغلب عليه الطابع السني.

ومن زاوية تحليلية، يبرز بُعد آخر: فتمسّك إيران بالنظام السوري انطلق من اعتباره الحلقة المركزية في محور المقاومة والجسر الذي يربطها بلبنان، لكن استمرار الصراع وما رافقه من إضعاف لبنية الدولة واستنزاف لسوريا ولبنان والعراق، أفضى إلى نتائج تلاقت بصورة غير مباشرة مع بعض المصالح الاستراتيجية لإسرائيل، ومنها بقاء محيطها الإقليمي منشغلًا بصراعاته الداخلية. ولا يعني ذلك وجود تحالف بين إيران وإسرائيل، بل يشير إلى "تقاطع في النتائج" رغم اختلاف الدوافع والأهداف.

يرى منتقدو الدور الإيراني أن دعم طهران للنظام السوري عزّز هذا النمط من الاصطفافات، بينما تؤكد إيران أن علاقتها بدمشق تقوم على اعتبارات استراتيجية تتعلق بالأمن الإقليمي ومواجهة خصومها. ولهذا اختارت إيران دعم النظام السوري سياسيًا وعسكريًا، لأن خسارة دمشق كانت تعني فقدان الحلقة الأساسية التي تربط طهران بباقي حلفائها.

لم يكن التدخل الإيراني مجرد دعم سياسي، بل تحول إلى مشروع عسكري وأمني واسع: أرسل الحرس الثوري مستشارين وقادة ميدانيين، ودعمت طهران تشكيلات مسلحة محلية وإقليمية أبرزها حزب الله، بهدف منع سقوط النظام وترسيخ موقع سوريا ضمن شبكة النفوذ الإيرانية. وبذلك أصبحت سوريا نموذجًا واضحًا لتحول السياسة الإيرانية من التحالف السياسي إلى إدارة نفوذ ميداني مباشر داخل دولة عربية تشكل موقعًا استراتيجيًا في قلب الإقليم.

سؤال “المستضعفين”... من يشملهم الخطاب؟

منذ الثورة عام 1979، رفعت إيران شعار الدفاع عن المستضعفين. لكن عندما خرجت قطاعات واسعة من الشعب السوري مطالبة بتغيير سياسي، اختارت إيران الوقوف إلى جانب النظام. وهنا ظهر سؤال جوهري: إذا كان معيار الدعم هو نصرة المستضعفين، فهل ينطبق هذا المفهوم على كل الشعوب، أم أنه يرتبط بموقعها من المشروع السياسي الإيراني؟

ترى إيران أن المسألة كانت حربًا أوسع ضد مشاريع إقليمية ودولية تستهدفها. أما معارضوها فيرون أن معيار “المستضعفين” أصبح انتقائيًا، يُستخدم عندما ينسجم مع مصالحها. هذا الجدل يعكس التناقض بين الخطاب الأيديولوجي والحسابات الواقعية للدول.

التدويل الروسي... عندما أصبحت سوريا ساحة صراع دولي

لم يقتصر المشهد السوري على الدور الإيراني؛ فقد دخلت روسيا عسكريًا عام 2015، ما غيّر موازين القوى وجعل الساحة السورية أكثر ارتباطًا بالتنافس الدولي.

سوريا تحولت إلى إحدى أبرز ساحات الصراع بين القوى الكبرى، حيث تداخلت حسابات موسكو وواشنطن وأنقرة وطهران وتل أبيب، وانتقلت الأزمة من صراع داخلي إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.

اليمن... من نزاع داخلي إلى ورقة جيوسياسية

إذا كانت سوريا تمثل العمق البري للمشروع الإيراني نحو المتوسط، فإن اليمن يمثل أهمية استراتيجية مختلفة بسبب موقعه البحري.

يشرف اليمن على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

تطورت العلاقة بين إيران والحوثيين خلال سنوات الصراع، وتحول الحوثيون إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة. ومع ذلك، فإن الحركة الحوثية نشأت في سياق محلي قبل الدعم الإيراني.

تقدم إيران دعمها للحوثيين باعتباره دعمًا لقوة تواجه التدخلات الخارجية.  

أما خصومها فيرون أن هذا الدعم منح طهران ورقة استراتيجية قرب باب المندب، تضاف إلى أوراقها في الخليج وشرق المتوسط.

هرمز وباب المندب... الجغرافيا تتحول إلى أداة صراع

لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق للتجارة، بل أصبحت جزءًا من الصراع الاستراتيجي.

في مضيق هرمز، تملك إيران قدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية.  

وفي باب المندب، أدى الصراع اليمني إلى دخول البحر الأحمر في حسابات أمنية دولية.

ترى إيران أن وجودها في هذه المناطق جزء من حماية أمنها.  

لكن دول المنطقة والقوى الدولية ترى أن استخدام هذه الأوراق يهدد حرية الملاحة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

وهنا يتكرر السؤال: هل تبني إيران نفوذها لحماية أمنها، أم لامتلاك أدوات ضغط على الآخرين؟

كلفة النفوذ... عندما يتحول العمق إلى جبهات

نجحت إيران في بناء شبكة واسعة من العلاقات، لكن هذا النجاح حمل كلفة كبيرة:

- لبنان أصبح ساحة صراع حول الدولة والسلاح.  

- العراق أصبح ساحة تنافس على القرار السياسي والأمني.  

- سوريا تحولت إلى ساحة مواجهة دولية.  

- اليمن أصبح مرتبطًا بأمن البحر الأحمر والملاحة العالمية.

وهكذا يبرز السؤال:  

هل أدى توسيع النفوذ إلى زيادة الأمن، أم خلق بيئة مواجهة دائمة؟

فالأدوات التي منحت إيران قدرة على الوصول إلى ساحات بعيدة أصبحت مصدر استنزاف ومواجهة مستمرة، وأدخلتها في صراعات يصعب التحكم بمساراتها.

في الحلقة الخامسة: من غزة إلى النووي... هل دخل المشروع الإيراني مرحلة المواجهة الكبرى؟

سنتناول:

- حرب غزة وتغير قواعد الاشتباك.  

- مفهوم “وحدة الساحات”.  

- دور حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية.  

- الانتقال من حروب الوكلاء إلى المواجهة المباشرة.  

- الملف النووي الإيراني.  

- كيف أعاد الصراع الإيراني-الإسرائيلي تشكيل المنطقة؟

 

* كاتب وباحث سياسي

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment