بقلم: فرنسوا الجردي
لم يعد ما يقدّمه الدكتور إسماعيل النجار في كثير من إطلالاته الإعلامية يدخل في إطار التحليل السياسي أو حرية الرأي، بل بات، وفق ما هو منشور وموثق في مقابلاته، نموذجًا لخطاب يقوم على التهديد والتخويف والتصعيد، وعلى استخدام مفردات لا تليق بكاتب يحمل لقب "دكتور" ولا بباحث يفترض أن يكون قدوة في احترام الكلمة.
فالتحليل السياسي يقوم على قراءة الوقائع وربطها بالمعطيات، أما عندما تتحول الشاشة إلى منصة لإطلاق الوعيد، والتبشير بالحرب الأهلية، والتطاول على مؤسسات الدولة والمرجعيات الوطنية والدينية، فإننا نكون أمام خطاب يزرع الشقاق أكثر مما يفسر الأحداث.
الكلمة مسؤولية... لا سلاح للترهيب
ليس من المقبول أن يسمع اللبنانيون، الذين خرجوا من حرب أهلية مدمرة وما زالوا يعيشون أزماتها، خطابًا يتحدث عن "خلع الحكومة"، و"الحرب الأهلية الآتية"، ويستخدم عبارات تهديد بحق الخصوم السياسيين أو بحق فئات من اللبنانيين.
حتى لو اعتبر قائلها أنها تعبيرات سياسية أو مجازية، فإن تكرارها في مناخ لبناني شديد الحساسية يجعلها كلمات خطيرة، لأنها قد تُفهم كتشجيع على العنف أو كتطبيع مع منطق القوة بدل الاحتكام إلى الدستور والمؤسسات.
الإساءة ليست شجاعة
الهجوم على رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والوزراء، والبطريرك الماروني، ورؤساء الأحزاب السياسية، حقه أن ينتقدهم جميعًا، لكن ليس من حق أحد أن يستبدل النقد بالإهانة، أو الرأي بالتجريح، أو الحجة بالتهديد.
فالاختلاف السياسي لا يمنح أي إنسان رخصة أخلاقية للتطاول على المقامات الوطنية والدينية، ولا يرفع عنه واجب احترام كرامة الآخرين، مهما بلغت حدة الخلاف. ومن المؤسف أن يتحول بعض الإعلام إلى مساحة تمنح هذه اللغة حضورًا دائمًا، وكأن الصراخ هو معيار القوة، بينما الحقيقة أن الحجة الرصينة لا تحتاج إلى التهديد حتى تُقنع.
أين هي النبوءات التي لا تتحقق؟
من يتابع إطلالات الدكتور إسماعيل النجار يلاحظ نمطًا متكررًا من التوقعات القطعية عن حروب وشيكة، وانهيارات قريبة، وسقوط حكومات، ومتغيرات كبرى تُقدَّم بصيغة الجزم.
غير أن المحلل السياسي يُقاس بدقة قراءته للأحداث، لا بعدد العناوين الصادمة التي يطلقها. والتوقعات التي لا تقوم على معطيات قابلة للتحقق تبقى آراء، وليست حقائق، ولا يجوز تقديمها للجمهور وكأنها مسلمات.
الفتنة تبدأ من المنبر
عندما تُستخدم المنابر الإعلامية لإذكاء الانقسام، وعندما يُصوَّر كل مخالف على أنه عميل أو متآمر، وعندما يصبح اللبناني عدوًا للبناني الآخر لمجرد اختلافه في الرأي، فإننا نكون أمام خطاب يهدد السلم الأهلي أكثر مما يخدم أي قضية سياسية.
لبنان لا يحتاج إلى من يرفع منسوب الكراهية، بل إلى من يخفف الاحتقان ويعيد الاعتبار إلى لغة العقل.
لقب "دكتور" ليس حصانة
إن اللقب الأكاديمي ليس مجرد شهادة تُعلّق على الجدار، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية. ومن يحمل هذا اللقب يُفترض أن يكون أكثر التزامًا بضبط عباراته، وأبعد عن لغة التهديد والتجريح، وأكثر احترامًا لعقول الناس. فلا قيمة لأي شهادة إذا غابت عنها أخلاقيات الحوار، ولا قيمة لأي منبر إذا تحوّل إلى وسيلة لبث الخوف والانقسام.
إلى وسائل الإعلام أيضًا
المسؤولية لا تقع على الضيف وحده، بل على كل وسيلة إعلامية تفتح الهواء لخطاب يقوم على التصعيد والشتائم والتهديد دون مساءلة أو نقاش جدي. فحرية التعبير لا تعني أن يصبح التحريض مادة إعلامية يومية، ولا أن تُقدَّم اللغة العدائية على أنها تحليل سياسي.
اللبنانيون يستحقون خطابًا أفضل
لقد تعب اللبنانيون من الأصوات التي تعيش على صناعة الخوف، ومن الخطابات التي لا تعرف سوى التخوين والوعيد، ومن المحللين الذين يستبدلون قوة البرهان بحدة العبارة. إن الوطن لا يُبنى بالتهديد، والدولة لا تُحمى بالوعيد، والكرامة الوطنية لا تُصان بإهانة الآخرين.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يريد الدكتور إسماعيل النجار أن يُذكر كباحث سياسي ساهم في إغناء الحياة الفكرية، أم كصوت ارتبط في ذاكرة اللبنانيين بخطاب التصعيد والانقسام؟
إن الكلمة قد تشعل وطنًا، وقد تنقذه. ومن اختار أن يخاطب الرأي العام، عليه أن يدرك أن المسؤولية تسبق الشهرة، وأن احترام الناس يبدأ باحترام الكلمة.











07/29/2026 - 11:06 AM





Comments