شبل الزغبي
أثبت التاريخ أن الشعوب التي تتخلى عن مسؤولية الدفاع عن وجودها، لا تجد من يدافع عنها عندما تدق ساعة الحقيقة. وجبال لبنان التي احتضنت أجدادنا لا تتسع لأحفاد يكتفون بالانتظار. نحن شعبٌ كتب فصولاً من المجد في هذا الشرق، فكيف أصبحنا اليوم ننتظر رضا من لا يريد لنا البقاء؟
كل الطوائف في لبنان رسمت لنفسها مشروعاً، وحددت هدفاً، وسارت نحوه، أصابت أحياناً وأخطأت أحياناً أخرى، لكنها بقيت تتحرك. أما نحن، فكثيراً ما بقينا أسرى الانتظار، نترقب حلولاً من الخارج بدل أن نصنعها بإرادتنا في الداخل.
لم تكن مشكلة الموارنة يوماً في شعبهم. فهذا شعبٌ صلب، عريق في جبال لبنان، حوّلها إلى قلعة منيعة، ولم تنقصه الشجاعة ولا الذكاء ولا القدرة على البناء والصمود. لكن الشعوب العظيمة قد تُهزم حين تُقاد بقيادات لا ترتقي إلى عظمتها. فعندما تضعف القيادة، تتحول قوة الشعب إلى تشتت، وإرادته إلى انتظار.
كانت حرب السنتين اختباراً وجودياً قبل أن تكون مواجهة سياسية. يومها، واجه بضعة آلاف من المقاتلين مشروعاً كان يهدد الوجود الماروني في لبنان، بينما كان يفترض أن تتحول المقاومة إلى قضية يحملها كل بيت. لماذا لم يحدث ذلك؟ لأن ثقافة المسؤولية التي حمت الجبل عبر القرون استُبدلت بثقافة التردد، وسوء تقدير المخاطر، والاعتماد على غير الذات.
ومنذ الاستقلال، توالت على الموارنة قيادات لم تكن على مستوى الأمانة التاريخية التي حملتها. شهد لبنان اتفاق القاهرة عام 1969، ثم سنوات الاحتلال السوري، ثم تمدد النفوذ الإيراني، وفي كل محطة تراجع القرار الوطني أمام حسابات السلطة والمصالح الشخصية، فتحولت الدولة في نظر كثيرين إلى وسيلة نفوذ، لا إلى أمانة وطنية ومسؤولية تاريخية.
ولم تكن الأزمة في سوء الإدارة فقط، بل في غياب الرؤية. فلم يكن اللبنانيون يختارون غالباً بين مشروعين وطنيين، بل بين خيارات متقاربة في ضعفها. وحتى في بناء التحالفات، كثيراً ما غلبت الحسابات الآنية على النظرة الاستراتيجية، فدُفعت أثمان سياسية باهظة ما زال لبنان يدفعها حتى اليوم.
وننسى أيضاً أننا امتلكنا يوماً مساحة آمنة امتدت من الكحالة إلى الحدث وعين الرمانة وكفرشيما، وصولاً إلى شكا وزغرتا وبشري. ثم بدأت هذه المساحة تتقلص تدريجياً حتى انحصرت في المنطقة المحررة قبل أن تنتهي مع الاجتياح السوري عام 1990. لم يكن التراجع نتيجة ضعف الشعب، بل نتيجة الانقسامات الداخلية، والصراعات المارونية، وغياب القيادة الموحدة والرؤية البعيدة.
ولعل أكثر ما يؤلم في تاريخنا أننا كثيراً ما استنزفنا أنفسنا أكثر مما استنزفنا خصومنا. فإذا تكرر هذا المسار، واستمرت الذهنية نفسها في إدارة المصير، فقد نجد أنفسنا أمام تقلص جديد لا يترك لنا سوى البحر، ننتظر عليه معجزة لا يصنعها إلا الذين يستعدون لها.
شعوب العالم تخوض معاركها لتوسع حضورها ونفوذها، بينما أصبح هاجسنا في كثير من الأحيان الحفاظ على ما تبقى. ومن عجز عن صون لبنان الكبير بالحكمة والوحدة، لن يستطيع الحفاظ على لبنان الأصغر، لأن المشكلة ليست في الجغرافيا، بل في العقلية التي تديرها.
لقد آن الأوان للخروج من عقلية الانتظار إلى عقلية المبادرة، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للمشروع، ومن تقديس القيادات إلى محاسبتها. فبقاء الموارنة، كما بقاء لبنان، لا يُصان بالأمنيات، بل بالوعي، وبالقيادة الصالحة، وبالاستعداد الدائم لتحمل مسؤولية الدفاع عن الوطن.
﴿مَنْ هُوَ أَمِينٌ فِي الْقَلِيلِ فَهُوَ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ﴾ (لوقا 16:10).












07/29/2026 - 08:31 AM





Comments