لم تولد اي مبادرة "قطرية" وكل ما في الأمر أن مشروعا صيغ لحماية السلاح وتسييله في الداخل بمواقع مستحدثة، فبقيت "ورقة مغمورة" تتحدث عن "مبادرة مفقودة" وعليه فان "تجربة 16 – 21 أيار" في الدوحة 2008 لن تتكرر مرة اخرى.
الجمهورية - جورج شاهين
أحيت التقارير الإعلامية في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، عن حركة اتصالات بين المعنيين بالملف اللبناني في الدوحة والرياض وبيروت، التسريبات التي تحدثت عن إجهاض "مبادرة قطرية" كانت مطروحة من قبل. وهو ما دفع بمراجع سياسية وديبلوماسية إلى توضيح ما رافق تلك المحاولة "الفاشلة"، التي أوحت بمسعى لضرب "مسار واشنطن"، عشية إطلاق "صيغة الإطار" بعد تعثر "مسار إسلام آباد"، ومن أجل الاحتفاظ بالسلاح أو تسييله في الداخل سياسياً ودستورياً. وهذه عينة من الأسباب التي أنهت أي مسعى في اتجاه "الدوحة 2".
توقفت مراجع سياسية وديبلوماسية مطلعة أمام مجموعة من التسريبات التي حفلت بها الأوساط الإعلامية في الفترة الأخيرة، عن "مشروع مبادرة قطرية" أعدّها منتصف الربيع الماضي فريق قريب من "الثنائي الشيعي"، وسلّمها إلى الوسيط القطري، ولم تحظ بأي تطور إضافي. وقد تزامنت تلك الخطوة مع بداية الحديث عن توفير مخرج لما يجري على الساحة اللبنانية، في وقت كانت المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة قد قطعت شوطاً بعيداً، عشية بدء البحث في ما سُمّي "بيان نيات" سعت إليه الإدارة الأميركية، من أجل وضع ما انتهت إليه من "صيغة إطار" لبرمجة المفاوضات الجارية في واشنطن، والتحضير لجدول أعمال يقودها إلى حيث يطمح أطرافها الثلاثة، وخصوصاً بعد التفاهم على الفصل الذي اقترحته الإدارة الأميركية على كل من بيروت وتل أبيب، بين مسارين أمني وديبلوماسي، لتسهيل المفاوضات ودفعها إلى مرحلة متقدّمة، بعدما استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعمال "الطاولة الثانية" في البيت الأبيض في 23 نيسان الماضي.
وإن توغلت هذه المراجع في الحديث عمّا سُمّي "المبادرة القطرية"، أصرّت على الحديث اولاً عن توقيتها، ذلك أنّه لم يكن غافلاً عنها انّها طُرحت في توقيت حساس، كان حافلاً بمجموعة من الاقتراحات التي لا تتلاقى في أي من بنودها مع ما سعت اليه الورقة الهادفة إلى ما يستنسخ تجربة مؤتمر "الدوحة 1" الذي عُقد ما بين 16 و21 ايار 2008، وما أدّى اليه من نظام حكم انتهى زمنه. ذلك أنّ التعثر الذي رافق إطلاق "مسار إسلام آباد" بما تشكّله من إطار للمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية المباشرة بعد انطلاقه بأيام قليلة، قد تسبب ببقاء الجلسة الأولى من طاولته التي عُقدت في 12 و13 نيسان الماضي يتيمة. وهي نتيجة حتمية لفشل المساعي الباكستانية التي رعت خطواتها الأولى إعادة وفدي طهران وواشنطن إليها مرّة ثانية. وذلك قبل أن تتغير المعطيات بعد التدخّل القطري على المسار المالي للعقوبات المفروضة على إيران، لتنتهي الزيارة التي قام بها أعضاء الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي ومعهما حاكم المصرف المركزي الإيراني إليها في 26 نيسان، لصوغ الاتفاق المالي الخاص بآلية فك العقوبات المفروضة على الأرصدة المالية الإيرانية المحجوزة، والذي قاد فور التوصل إليه إلى "طاولة بورغنشتوك" في سويسرا في 23 و24 حزيران الماضي.
وإلى أهمية التوقيت السيئ الذي رافق ولادة الورقة الداعية إلى "الدوحة 2" في ظل التشنج الإقليمي والدولي، والسباق القائم بين المسارات المختلفة، فقد بقي ما سُمّي المبادرة، مجرد ورقة عمل أعدّها فريق من "الممانعة"، وبقي مضمونها مثيراً للاستغراب الذي عبّر عنه قلائل اطلعوا عليها. ذلك أنّها محاولة بقيت مطمورة في الكواليس الديبلوماسية والسياسية على نطاق ضيّق جداً. ولما لم تشأ هذه المراجع تفنيد الورقة بكامل تفاصيلها، فقد توقفت عند بعض عناوينها التي تسببت برفض خليجي وعربي، قبل أن يكون رفضاً لبنانياً وفقاً للملاحظات الآتية:
- لما قالت الورقة بضرورة تبنّي الدوحة حواراً لبنانياً في قصر بعبدا يرعاه موفدها، بين من سمّتهم "السلطة" و"المعارضة"، قال المطلعون إنّ الاقتراح لم يكن مقبولاً من أي طرف خليجي او عربي او لبناني بأي شكل من الأشكال. وهو ما عبّرت عنه دول خليجية، ربطت بين إمكان رعاية الدوحة لحوار من هذا النوع يشارك فيه أحد "أذرع إيران" التي اعتبرتها من "المجموعات الإرهابية". وخصوصاً انّ الأمانة العامة لمجلس التعاون كانت قد أصدرت اكثر من بيان يؤكّد هذا المنحى الخليجي الذي لا نقاش فيه. أما في الداخل اللبناني، فقد جاء الاقتراح في توقيت سلبي، رافق الفشل الذي انتهى إليه الحوار الذي أجراه رئيس الجمهورية مع "حزب الله" طوال الاشهر التي فصلت بين حربي "الإسناد والإلهاء"، من دون اي أمل بإمكان تنفيذ اي من قرارات الحكومة، في ظل الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح وفقدان أي مبادرة عربية أو دولية للاحتفاظ به.
ـ وعلى مستوى مقابل، فقد شكّل "مشروع المبادرة" إشارة إلى البحث في "إصلاحات سياسية" تواكب التفاهم على خطط مبرمجة قد تمتد ربما لسنوات للتخلص من السلاح غير الشرعي وربط مصيره بإحداث "مواقع دستورية" تفرض إجراء تعديلات تمسّ ما انتهت إليه وثيقة الطائف التي ترجمها دستور جديد أجرى تعديلات على صلاحيات السلطات الدستورية. عدا عمّا انتهت إليه الورقة من اقتراحات هادفة إلى تسييل مصير السلاح بتعديلات في النظام اللبناني، تنزع الصفات التي أُغدقت عليه بهدف التحرير وتحويله وسيلة ابتزاز داخلية قد يؤدي الأخذ بها إلى خلل في التوازنات الداخلية الهشة والدقيقة. ولذلك، فقد استجرّت رفضاً عارماً خليجياً وعربياً وداخلياً في آن.
لهذه الأسباب وأخرى، حُفظت الورقة في أرشيف الخارجية القطرية، وربما وضعت نسخة منها في بعض سفارات دول مجلس التعاون الخليجي وبعض سفرائها في بيروت. ولما لم تشأ المراجع المعنية الغوص في كثير منها، بقيت معظمها في إطار سياسي وديبلوماسي ضيّق، بعدما أنهت مساعي الداعين إلى "الدوحة 2" على خلفية ثبوت استحالة تكرار تجربة الأولى منها، فطويت الورقة قبل أن يُبنى عليها أي رهان غير الرهانات التي حلم بها البعض واستفاق على فقدانها











07/28/2026 - 12:36 PM





Comments