بقلم: فرنسوا الجردي
لقد آن الأوان لأن تُقال الحقيقة كما هي، بعيدًا عن المجاملات والشعارات والخطابات الموسمية. فما يتعرض له الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة اللبنانية لم يعد مجرد شعور بالغبن، بل أصبح، في نظر كثيرين، مسارًا متراكمًا يستوجب التوقف عنده ومعالجته ضمن إطار الدستور ومبدأ الشراكة الوطنية.
ليس المطلوب امتيازات، ولا العودة إلى زمن الغلبة، بل المطالبة بتطبيق الدستور اللبناني واتفاق الطائف الذي كرّس مبدأ المناصفة في وظائف الفئة الأولى، وأكد الشراكة في إدارة الدولة، باعتبارها الضمانة الأساسية لاستقرار لبنان وتوازنه.
نزف صامت داخل مؤسسات الدولة
يسأل اللبناني المسيحي اليوم، وبكل مرارة:
- لماذا تتراجع نسبة الحضور المسيحي في عدد من الإدارات والمؤسسات العامة؟
- لماذا تُسند أحيانًا مواقع كانت تاريخيًا من حصة الطوائف المسيحية إلى غيرها؟
- لماذا تمر بعض التعيينات وكأنها أمر واقع، من دون اعتراض جدي أو مساءلة وطنية؟
- ولماذا يُترك هذا النزف ليستمر بصمت؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف أحدًا، بل تدعو إلى حماية التوازن الوطني الذي قام عليه لبنان.
الأب طوني خضرا... صوت يحذر منذ سنوات
منذ سنوات، يطلق الأب طوني خضرا، رئيس جمعية "لابورا"، التحذيرات المتكررة بشأن تراجع الحضور المسيحي في الإدارة العامة، مستندًا إلى أرقام ودراسات ومتابعات ميدانية. وسواء اتفق البعض مع كل استنتاجاته أم اختلف معها، فإن القضية التي يثيرها تستحق نقاشًا وطنيًا جديًا، لا تجاهلًا أو صمتًا، لأن مستقبل الإدارة اللبنانية لا يُبنى إلا على احترام التوازن والكفاءة معًا.
أين المرجعيات الروحية؟
لقد اعتاد اللبنانيون أن يسمعوا أصوات المرجعيات الدينية دفاعًا عن حقوق أبنائها كلما شعرت بوجود خلل. ومن هنا يبرز السؤال: أين الصوت المسيحي الجامع؟
أين بكركي؟
أين البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي وسائر رؤساء الكنائس؟
إن الدور التاريخي لبكركي لم يكن يومًا سياسيًا بالمعنى الحزبي، بل كان وطنيًا، يدافع عن صيغة لبنان، وعن الشراكة، وعن العيش المشترك، وعن حقوق جميع اللبنانيين. واليوم، تبدو الحاجة إلى موقف جامع يطالب باحترام الدستور، لا بمواجهة أحد، بل بحماية الدولة نفسها. وأين الأحزاب المسيحية؟
إذا كانت الأحزاب المسيحية تؤكد أنها تمثل غالبية المسيحيين، فمن الطبيعي أن يسأل الناس: ما هي الخطة الوطنية لحماية الحضور المسيحي في الدولة؟
هل يكفي إصدار البيانات؟
هل يكفي تبادل الاتهامات؟ أم أن المطلوب تنسيق وطني يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة؟
إن الدفاع عن الوجود المسيحي لا يجوز أن يبقى مادة للمزايدات بين الأحزاب، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني مشترك.
الهجرة... الخطر الأكبر
إن أخطر ما يواجه المسيحيين اليوم ليس فقط خسارة وظيفة أو مركز إداري، بل خسارة الإنسان نفسه.
فالشباب يهاجرون بأعداد كبيرة، والكفاءات تغادر، والثقة بالمستقبل تتراجع. وعندما يقتنع الشاب بأن وطنه لم يعد يوفر له فرصة عادلة في العمل والإدارة والحياة الكريمة، يصبح السفر مشروعه الوحيد. وعندها لا نخسر وظيفة فحسب، بل نخسر أجيالًا كاملة.
خريطة طريق زمنية لإنقاذ الحضور المسيحي
خلال ستة أشهر:
- إجراء إحصاء رسمي وشفاف للتوازن الوظيفي في الإدارات العامة.
- نشر الشواغر والتعيينات وفق معايير الكفاءة واحترام الدستور.
- وقف أي تعيين يخلّ بالتوازن الوطني إلى حين تصحيح الخلل.
خلال سنة واحدة:
- إطلاق ورشة إصلاح إداري تعتمد الكفاءة والشفافية وتؤمن تكافؤ الفرص.
- إعداد برامج لتشجيع الشباب اللبناني على الانخراط في الوظيفة العامة.
- دعم مبادرات التدريب والإعداد للمباريات الرسمية.
خلال ثلاث سنوات:
- اعتماد سياسة وطنية تحد من هجرة الشباب.
- توفير فرص عمل واستثمارات في المناطق كافة.
- تعزيز دور المؤسسات التربوية والجامعية في إعداد الكفاءات.
- تثبيت مفهوم أن بقاء المسيحيين في لبنان هو عنصر قوة للبنان كله، لا للمسيحيين وحدهم.
الرسالة الأخيرة
إن الدفاع عن الحضور المسيحي ليس مشروعًا انعزاليًا، ولا مواجهة مع أي مكوّن لبناني، بل هو دفاع عن لبنان الذي قام على التعددية والشراكة واحترام الدستور. فكلما ضعفت إحدى ركائز هذا الوطن، اختل توازنه كله.
إن حماية الوجود المسيحي تعني حماية الرسالة اللبنانية، وحماية التنوع الذي ميّز لبنان عبر تاريخه.
فليكن هذا الملف أولوية وطنية، تُعالج بالحوار، وبالاحتكام إلى الدستور، وبالتعاون بين المرجعيات الروحية، والأحزاب، ومؤسسات الدولة، لأن مستقبل لبنان لا يُصان إلا بدولة عادلة يشعر فيها جميع أبنائها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الكفاءة والعدالة واحترام التوازنات الدستورية هي الأساس في بناء الوطن.










07/28/2026 - 10:21 AM





Comments