بقلم: د. محمد نصار
يشهد الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من التحولات السياسية والعسكرية، في ظل أزمات متلاحقة أعادت رسم خريطة التوازنات الإقليمية، وجعلت مفهوم الأمن القومي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فقد أصبحت المنطقة مسرحًا لتداخل المصالح الدولية والإقليمية، وتزايدت المخاوف من اتساع نطاق الصراعات بما يهدد أمن الدول واستقرار شعوبها.
وفي قلب هذه المتغيرات، تبرز مصر وتركيا باعتبارهما من أكبر القوى الإقليمية من حيث عدد السكان، والإمكانات العسكرية، والقدرات الاقتصادية، والموقع الجغرافي. ومن هنا، يثار الحديث عن إمكانية أن يسهم تقارب البلدين في تعزيز التوازن الإقليمي، بما يحد من احتمالات التصعيد العسكري ويحافظ على الاستقرار.
إن مفهوم الردع في العلاقات الدولية لا يعني السعي إلى الحرب، بل يقوم على امتلاك قدرات كافية تجعل تكلفة أي مواجهة مرتفعة على جميع الأطراف. ويشمل الردع عناصر عسكرية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية، إضافة إلى القدرة على بناء التحالفات وإدارة الأزمات.
وتعد مصر إحدى الركائز الأساسية للاستقرار في المنطقة، بفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، وإشرافها على قناة السويس، التي تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية. كما تمتلك القوات المسلحة المصرية قدرات متنوعة، إلى جانب خبرة طويلة في حماية الحدود وتأمين المصالح الحيوية للدولة.
وعلى الصعيد السياسي، لعبت القاهرة أدوارًا مهمة في جهود الوساطة خلال العديد من الأزمات الإقليمية، وهو ما يعكس مكانتها كطرف قادر على التواصل مع أطراف متعددة والسعي إلى خفض التصعيد.
أما تركيا، فقد شهد قطاعها الدفاعي تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع توسع الصناعات العسكرية المحلية في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والقدرات البحرية. وقد انعكس ذلك على دورها الإقليمي وعلى قدرتها على حماية مصالحها في عدد من الملفات.
ورغم أن العلاقات المصرية التركية مرت بمراحل من التوتر في السابق، فإن السنوات الأخيرة شهدت خطوات متبادلة لإعادة بناء العلاقات السياسية والدبلوماسية، انطلاقًا من إدراك أهمية التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، مثل أمن الطاقة، واستقرار شرق البحر المتوسط، وتأمين الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب.
ولا يعني هذا التقارب بالضرورة وجود تطابق كامل في المواقف بين البلدين، فلكل دولة أولوياتها الوطنية ورؤيتها الخاصة للملفات الإقليمية ، إلا أن الحوار والتنسيق يمكن أن يسهما في تقليل الخلافات وفتح مجالات للتعاون في القضايا التي تحقق مصالح مشتركة.
وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن البيئة الأمنية المحيطة بها شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الأزمات الإقليمية وتزايد المخاوف من امتداد الصراعات ، وفي هذا السياق، فإن وجود قوى إقليمية تمتلك قدرات مؤثرة وتسعى إلى الحفاظ على الاستقرار يمكن أن يكون أحد عوامل تعزيز التوازن الإقليمي، بما يحد من احتمالات التصعيد ويشجع على الحلول السياسية والدبلوماسية.
ومن المهم التأكيد على أن تحقيق الأمن المستدام لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يرتبط أيضًا بالتنمية الاقتصادية، وتعزيز التعاون الإقليمي، واحترام القانون الدولي، والالتزام بمبادئ السيادة وعدم استخدام القوة إلا في إطار ما يقره القانون الدولي.
إن مصر وتركيا تمتلكان مقومات تؤهلهما للقيام بأدوار مؤثرة في دعم الأمن الإقليمي، سواء من خلال الحوار السياسي، أو التعاون الاقتصادي، أو التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويمكن لهذا التعاون أن يسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا، بما ينعكس إيجابًا على شعوب المنطقة.
ويبقى مستقبل الشرق الأوسط مرهونًا بقدرة دوله على تغليب منطق الحوار على الصدام، والتعاون على التنافس، وإعلاء المصالح المشتركة على الخلافات المؤقتة. فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الجيوش أو تطور التسليح، وإنما أيضًا بالقدرة على منع الحروب، وحماية الاستقرار، وصناعة مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا للأجيال القادمة.
إن المنطقة اليوم بحاجة إلى رؤية استراتيجية تقوم على التوازن، واحترام السيادة، وتسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية. وفي هذا الإطار، يمكن أن يسهم أي تعاون بناء بين القوى الإقليمية الكبرى، ومن بينها مصر وتركيا، في دعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز فرص السلام، والحد من مخاطر التصعيد، بما يخدم أمن المنطقة وشعوبها على المدى الطويل












07/28/2026 - 11:06 AM





Comments