بقلم: علي جزائري
هناك قاعدة قديمة في السياسة تقول إن العدو لا يخدعك، لأنه يعلن عداءه منذ البداية، أما الصديق فقد يبتسم لك وهو يسحب الأرض من تحت قدميك. ولعل لبنان هو النموذج الأكثر قسوة لهذه القاعدة. فالدولة التي واجهت حروبًا واحتلالات واعتداءات خارجية، لم تُستنزف بفعل أعدائها فقط، بل بفعل أصدقاء ادّعوا حمايتها، بينما كانت أولويتهم حماية مصالحهم.
فالعدو الإسرائيلي لم يخفِ يومًا أهدافه. منذ عام 1948، مرورًا باجتياح 1978 ثم غزو 1982، وصولًا إلى الحروب المتكررة، كانت إسرائيل تعتبر لبنان جزءًا من معادلتها الأمنية. هذا موقف معلن، مهما اختلفت القراءات السياسية حوله.
لكن ماذا عن الأصدقاء؟
منذ استقلال لبنان، لم يكن هناك نقص في "الأصدقاء". كانت هناك عواصم عربية تعتبر نفسها الحاضنة، وأخرى إقليمية ترى فيه ساحة نفوذ، ودول كبرى تتحدث عن حماية الديمقراطية أو دعم الاستقرار. لكن النتيجة النهائية كانت واحدة: كل صديق أراد لبنان الذي يخدم مصالحه، لا لبنان الذي يخدم اللبنانيين.
في عام 1969، جاء *اتفاق القاهرة* تحت عنوان تنظيم الوجود الفلسطيني، لكنه عمليًا انتزع جزءًا من سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، وخلق سلطة موازية حملت بذور الحرب الأهلية. يومها كان الاتفاق يُقدَّم كحل، لكنه تحوّل لاحقًا إلى أحد أسباب الانفجار الكبير.
ثم جاءت القوات السورية عام 1976 تحت شعار وقف الحرب وحماية لبنان. انتهت الحرب، لكن الوجود العسكري والسياسي السوري استمر قرابة ثلاثة عقود، وأصبح القرار اللبناني في كثير من المحطات مرتبطًا بدمشق أكثر من ارتباطه بمؤسسات الدولة اللبنانية. بالنسبة إلى مؤيديه كان ذلك ضمانة للاستقرار، وبالنسبة إلى معارضيه كان وصاية كاملة. لكن المؤكد أن الدولة اللبنانية لم تكن صاحبة القرار النهائي في ملفات كثيرة خلال تلك المرحلة.
وبعد عام 2005 دخل لبنان مرحلة جديدة، حيث تصاعد النفوذ الإيراني عبر دعم *حزب الله*. يرى مؤيدو الحزب أن هذا الدعم مكّن لبنان من مواجهة إسرائيل وردعها، بينما يرى منتقدوه أن امتلاك الحزب لقدرات عسكرية مستقلة عن الدولة خلق ازدواجية في القرار الأمني والعسكري، وربط لبنان بصراعات إقليمية لا يملك التحكم بمسارها. وبين هذين الرأيين، بقيت الدولة عاجزة عن احتكار قرار الحرب والسلم.
وفي المقابل، لم تكن الدول الغربية أو الخليجية استثناءً من لعبة المصالح. فالمساعدات الاقتصادية، والدعم السياسي، والاستثمارات، غالبًا ما ارتبطت بشروط وإصلاحات أو بتوازنات سياسية داخلية وإقليمية. وعندما تعارضت مصالح هذه الدول مع الواقع اللبناني، تراجع الاهتمام أو تبدلت الأولويات. وهكذا وجد اللبناني نفسه دائمًا رهينة ميزان القوى الخارجي.
لقد تحول لبنان، عبر عقود، إلى صندوق بريد تتبادل عبره القوى الإقليمية والدولية الرسائل. كل طرف يعلن دعمه للبنان، لكنه يقصد في الواقع دعم مشروعه داخل لبنان.
المفارقة أن اللبنانيين أنفسهم ساهموا في تكريس هذا الواقع. فبدل أن يكون الانتماء للدولة هو الأساس، أصبح الولاء للمحاور الخارجية جزءًا من الحياة السياسية. هذا الفريق ينتظر موقف طهران، وذاك يترقب واشنطن، وآخر يراقب الرياض أو باريس أو دمشق. أما بيروت، فقد أصبحت في كثير من الأحيان آخر من يعلم.
وهنا تكمن الخطورة.
فالعدو يحاول كسر الدولة من الخارج، أما الصديق الذي يزرع الانقسام داخلها، أو يبرر تعطيل مؤسساتها، أو يجعل قرارها الوطني مرهونًا بحساباته، فإنه يهدمها من الداخل. والضرر الداخلي غالبًا ما يكون أعمق وأطول أثرًا من أي عدوان عسكري.
الدول لا تُبنى بالولاءات الخارجية، بل بالمؤسسات. ولا تستعيد سيادتها بالشعارات، بل باحتكارها وحدها للسلاح، وامتلاكها وحدها قرار الحرب والسلم، وقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية وفق المصلحة الوطنية، لا وفق مصالح الآخرين.
لبنان لا يحتاج إلى تغيير أصدقائه بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف الصداقة. فالصديق الحقيقي ليس من يطلب منك الاصطفاف في محوره، ولا من يربط مساعدته بولائك، ولا من يستخدم أرضك لتصفية حساباته. الصديق الحقيقي هو من يحترم سيادتك، ويقوي مؤسساتك، ويترك قرارك لك.
لقد أثبت التاريخ اللبناني أن الاحتلال العسكري قد ينتهي بانسحاب القوات، أما الاحتلال السياسي والاقتصادي والفكري فيبقى ما دام القرار الوطني مرتهنًا للخارج.
وربما آن الأوان لأن يطرح اللبنانيون السؤال الذي تهربوا منه طويلًا: هل مشكلتنا الحقيقية كانت دائمًا مع أعدائنا... أم مع أولئك الذين أقنعونا أنهم أصدقاؤنا، بينما كانوا يتعاملون مع لبنان بوصفه ورقة في لعبة الأمم؟
إن الوطن لا يخسره من يهاجمه فقط، بل قد يخسره أيضًا من يحتضنه بشروط، ويمنحه الدعم مقابل التبعية، ويطلب منه أن يكون تابعًا لا شريكًا. وعندما تصبح الصداقة طريقًا إلى فقدان القرار الوطني، فإنها تتحول إلى خطر لا يقل عن العداء، وربما يفوقه أثرًا، لأن العدو يأتي من خارج الحدود، أما الصديق الخاطئ فيدخل من أبواب الثقة.











07/29/2026 - 07:57 AM





Comments