جمال دملج *
في حياة الشعوب، ليست المآسي وحدها هي التي تكشف معدن المجتمعات، بل الطريقة التي تختار بها هذه المجتمعات التعامل مع مآسيها. فبين الذكرى الأربعين لاختفاء الشابة البريطانية سوزي لامبلو، التي مرّت بالأمس، والذكرى التي تحل بعد أيام لاختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ليبيا عام 1978، يقف المرء أمام قصتين متشابهتين في الألم، لكنهما تكشفان عن اختلاف عميق في الثقافة القانونية والأخلاقية والسياسية بين مجتمعين.
في الحالتين، لا يزال المصير مجهولًا. وفي الحالتين، لم تُغلق القضية. غير أن الفارق لا يكمن فقط في غياب الحقيقة، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا الغياب.
حين يتحول الألم إلى خدمة عامة
هزّ اختفاء سوزي لامبلو بريطانيا في صيف عام 1986، بعدما خرجت موظفة العقارات الشابة لمقابلة عميل دُوّن اسمه في مفكرتها، ولم تعد بعد ذلك أبدًا. ورغم مرور أربعة عقود، ما زالت شرطة العاصمة البريطانية تحتفظ بملف القضية، وتواصل مراجعة كل خيط يمكن أن يقود إلى الحقيقة، حتى وإن بدا ضئيلًا أو متأخرًا.
ولم يكن لافتًا فقط إصرار أجهزة التحقيق على مواصلة البحث، بل أيضًا الطريقة التي تعاملت بها عائلة سوزي مع مأساتها. فبدل أن يتحول الألم إلى دعوة للانتقام، أو إلى وسيلة للضغط على المجتمع والدولة، قرر والداها إنشاء مؤسسة تحمل اسم ابنتهما، تُعنى بالتوعية بالسلامة الشخصية، ومكافحة ظاهرة المطاردة، وتقديم الدعم لضحاياها.
لقد تحولت مأساة خاصة إلى منفعة عامة. وأصبح اسم سوزي، بعد غيابها، وسيلة لحماية آخرين، لا سببًا لإنتاج مآسٍ جديدة.
في لبنان... بقيت القضية أسيرة السياسة
أما في لبنان، فما زال اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه يشكل واحدًا من أكثر الملفات غموضًا في التاريخ اللبناني الحديث.
ولا خلاف على أن القضية تستحق معرفة الحقيقة كاملة، وأن لعائلة الإمام، كما لكل اللبنانيين، حقًا مشروعًا في معرفة ما جرى خلال تلك الزيارة إلى ليبيا عام 1978.
غير أن مسار القضية لم يبقَ محصورًا في الإطار القضائي أو الإنساني، بل تداخل، على امتداد العقود الماضية، مع الحسابات السياسية والإقليمية، حتى بات من الصعب الفصل بين البحث عن الحقيقة وبين توظيف القضية في الصراع السياسي. وقد بقي هذا التداخل حاضرًا حتى بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، واستمرار التعاون القضائي بين السلطات الليبية واللبنانية، وتسليم طرابلس ملف التحقيق إلى القضاء اللبناني أواخر عام 2025.
حين تصبح العدالة موضع سؤال
ربما كان أكثر الفصول إثارة للتساؤلات هو ما جرى مع هانيبال القذافي. فالرجل كان في الثالثة من عمره فقط عندما اختفى الإمام موسى الصدر. ومع ذلك، بقي موقوفًا في لبنان عشر سنوات كاملة، بعد اختطافه من داخل الأراضي اللبنانية عام 2015 وتسليمه إلى السلطات، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا بكفالة، من دون أن يصدر بحقه حكم قضائي في أصل القضية.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بمصير الإمام الصدر وحده، بل بطبيعة العدالة نفسها. فهل تستطيع العدالة أن تؤدي رسالتها إذا اختلطت بالرغبة في تحميل أشخاص مسؤوليات لا يملكونها بحكم السن أو الوقائع؟ وهل يمكن لأي مجتمع أن يقترب من الحقيقة إذا أصبح الاحتجاز الطويل بديلًا عن الدليل؟
الفرق بين ثقافتين
لا يكمن الفرق بين بريطانيا ولبنان في أن الأولى تعرف الحقيقة والثاني يجهلها. فاللغز ما زال قائمًا في القضيتين. لكن الفرق يظهر في الطريقة التي تعامل بها كل مجتمع مع هذا اللغز.
في بريطانيا، بقيت القضية قضية شرطة وقضاء ومؤسسات، وتحول الألم إلى مبادرات لحماية المجتمع. أما في لبنان، فقد بقيت القضية، إلى حد كبير، جزءًا من الاشتباك السياسي، بحيث أصبح النقاش حولها يتجاوز البحث الهادئ عن الحقيقة إلى صراعات تتداخل فيها الاعتبارات الحزبية والإقليمية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على ملاحقة المجرمين، بل أيضًا بقدرتها على حماية العدالة من الانفعال، والقضاء من الضغوط، والذاكرة من أن تتحول إلى أداة في النزاعات السياسية.
صحيح أن هناك أنواعًا من الغياب لا تنتهي. فقد يغيب الإنسان، لكن الأسئلة التي يتركها وراءه تبقى حاضرة في ضمير المجتمعات.
غير أن قيمة الأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على البحث عن المفقودين، بل بالطريقة التي تختار بها مواصلة هذا البحث. فالعدالة ليست انتقامًا. والذاكرة ليست ساحة لتصفية الحسابات. والحقيقة لا تحتاج إلى رهائن، ولا إلى خصومات جديدة، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وإيمان بأن الزمن، مهما طال، لا يلغي حق الإنسان في معرفة الحقيقة، لكنه لا يبرر، في المقابل، التخلي عن المبادئ التي تجعل من العدالة عدالة، ومن الدولة دولة.
* إعلامي وكاتب لبناني













07/28/2026 - 17:31 PM





Comments