بقلم: مارون سامي عزّام
قرّرتُ أن أخطو خطوةً نحو مصارحة متدرِّبة سابقة كانت تزورني في مكتبي، وطلبت منّي أن أساعدها في التّحضير لبعض المواد المطلوبة منها، لتصل إلى أقصى درجات الاستعداد لتنال الوظيفة، فهل سترفض طلبي؟ لا أدري. فهي تعلم جيِّدًا أنّني لم أخذلها يومًا، وكانت تغادر راضيةً عنّي، شاكرةً لي، والفرح يرفرف حولها. اعتبرتُ الأمر رهانًا خطيرًا لم أحسب نتائجه، لكنّي أقدمتُ عليه وأنا على ثقةٍ تامّة بأنّي سأؤثّر في مناخ إحساسها، ومن جهةٍ أخرى لم أستطع تَكهُّن النتيجة! فتطاير أمامي شرر حماسي، وقرَّرت مواجهتها، على أساس أنني كنت مُوجِّهها.
أزحتُ عثرات التكلّف التي عرقلتني، وتعاملتُ مع الأمر بلا حساسيّاتٍ زائدة. خِفتُ أن تُحوّل خدماتي لها إلى لائحة اتّهاماتٍ على خلفيّة "استمالتي" لتلك المتدرِّبة. لمّحتُ لها، بطريقةٍ التفافيّة أنّي معجبٌ بها، لقد فهمتني، ولكنّها لم تقل شيئًا، كأنّ الصدمة عقدت لسانها... إذ بدا لي أنّ سكونها المحيِّر يعكس رهبتها مني، وأنها ما زالت تُقدِّر دروسي التدريبيَّة التي استفادتْ منها كثيرًا، وأغنَت فكرها بمعلوماتٍ كانت غائبةً عنها.
بعد قليل... بدأ كلامها يزبدُ استعلاءً علميًّا، ناكرة معروفي معها، وغدت هي "صاحبة الفضل" في نجاحها الوظيفي، ملقيَة بجهودي في مرمى الإسفاف، قبل أن تحتد أكثر، حاولت كبح جموح لسانها، فهدأت قليلًا، لكن ليس لوقت طويل، لأنه كان يعزُّ عليها "أن تهان مكانتها العالية"!! فراحت تُصَعِّد نبرتها إلى أعلى الدرجات. هكذا تصرفت هذه المتدرِّبَة "المتعلّمة"، ولم تتعلَّم تقدير تكريس وقتي الثّمين لأجلها، دون مقابل.
لم تحترم مكانتي، ووجّهت إليّ كلماتٍ قاسيةً لم أتوقّعها من متدرّبة تحمل عناقيد الفهم، التقدير والرُّقي التي قَطَفَتْها من كرمة تضحيتي. لقد أسقطت عِلمها في هاوية الجهل، هكذا انهار منطق وفائها كُلِّيًا، لذلك رأيتها عمودَ نارٍ أخشى الاقتراب منه، بعد أن أحرقت رداء تعقّلها. إن أيّ محاولةٍ أخرى ستمزّق ما تبقّى من أسمال معرفتي بها التي أصبحت موسومة على لوحة الوقاحة.
كان من المفروض أن تترفَّع عن هذه الحالة العصبيَّة، وأن تدرك أنَّها انتقصتْ من قيمتها العلميَّة التي تتمتَّع بها، وأن تسلك طريق التعقُّل. إذا امتلكتْ سلاح العلم، فهذا لا يعني أن تُشهره في وجهي لتدمِّر كلَّ ما علَّمتُه لها، لذلك كان عليها أن تحمي مرج استيعابها الذي غطّاه ضباب سهوهاِ، وعندما انقشع أزلتُ العقبات التي أعاقت تقدُّمها، واستطعتُ أن أؤمِّن عبور فكرها بسلام، حتى أوصلتُها بنجاحٍ إلى مدخل مؤسَّسة المستقبل، التي ربَّما تستقبلها بعد اجتيازها اختبار مستواها.
آمنتُ أنّ عقلها "الموسوعيّ" يتَّسم بنزعة فوقيَّة، وأن تلك المتدرِّبَة لا تسير على الأرض، بل فوق جسرٍ مُلغَّم بالتوجّس، لكي تحمي نفسها من انفجار أخطائها في قبو طيشها. تجمّعت تحت جلدها خلايا أنثويّة رعناء... عزفتْ أنامل مشاعري، تلقائيًّا، على أوتار الذكريات نغماتٍ لم تستدعِ منها هذا الانزعاج! فعلى الأقلّ، كان عليها أن تراعي ما قدّمته لها من خِدْمات مكتبيّة لا تُقَدَّر بثمن، فلماذا تنكّرت لها بسهولة؟
شعرتُ بوعكة ذنبٍ موجعة، لكن أيَّ ذنبٍ اقترفتُ؟ أردتُ فقط أن أعرف مدى استيعابها لعلاقتنا القديمة، أتوق إلى تلك الاستراحات القصيرة، التي أشعلناها بولّاعة النقاشات... لم أُصدّق أنّها انصدمت منّي إلى درجة إنكار وجودي الدائم في ذاكرتها! لذلك استسلمت لتفكيرها الضيّق... لأنّني كنتُ واهمًا حين ظننتُ أنّها تؤمن بخبراتي الثقافية، وأنّ كلّ حديثها عنّي سابقًا أمام الغير ليس إلّا سلفةً على حسابي.
اكتشفتُ أنّني كنتُ، بالنسبة إليها، غطاءً اجتماعيًّا سهلًا، مع أنّها تفتقر إلى الشجاعة، وتميل إلى تزييف مكانتها العلميَّة. صنّفتني انتهازيًّا، واعتقدتْ أنّي "استغللتُ مساعدتي لها لدوافع غراميّةٍ سيّئة"! أشكُر الله أن لقاءاتنا انتهت قبل أن أخوض معها تجربتي، وأنا أجزم أنّ هذه المقاومة الشرسة لا تناسبها، كما أنها ترفض البحث عن موطن ضعفها. تلك هي تداعيات متدربة أنوثتها شرسة!!











07/24/2026 - 08:17 AM





Comments