مقصد الكلام في البيت الأبيض

07/24/2026 - 08:29 AM

Arab American Target

 

 

الدكتور بول حامض

الكثير يتكلّم والقليل يفعـل، بهذه الجملة الطويلة أستهل مقالتي الأسبوعية حيث أقتبس ما حرفيته " في إحدى الجامعات سأل الدكتور طلاّبه : إذا كانَ هناك أربعة عصافير على الشجرة وقرَّرَ ثلاثة منها الطيران، فكم بقيَ على الشجرة ؟ أجاب الجميع : واحــــد، إلاّ أنّ أحــد الطلاّبْ قال بإنّ أربعة عصافير بقيتْ على الشجرة. فسأله الأستاذ : كيف ذلك ؟ فقال : لقد قلت قرّروا ولم تقًلْ طاروا، وإتخاذ القــرار لا يعني تنفيذه. وكانتْ الإجابة الصحيحة بالفعـــل...." هذه القصة تُلخَّص حياة بعض الأشخاص أو المسؤولين، إذْ تجِــدْ في حياتهم الكثير من الشعارات والكلمات الرنّانة كما تجدهم نجومًا في المجالس وبين الأصدقاء والمواقع الرسمية، لكنهم ليسوا كذلك في حياتهم الحقيقية.

بالإشارة لزيارة الرئيس جوزاف عون والوفد العائلي الطابع للولايات المتحدة الأميركية إعتبرتها بعض الأوساط المراقبة والمتابعة لأجواء الدبلوماسية الأميركية أنها زيارة غير منتجة وكانتْ كناية عن لقاء دبلوماسي إقتصر على المجاملات الشكلية مثل إلتقاط الصور والترحيب من الرئيس دونالد ترامب، دون تحقيق أي نتائج ملموسة، أو توقيع إتفاقيات فعلية للقضايا الجوهرية التي تُعاني منها الجمهورية اللبنانية.

كما تمّ تسريب بعض المواقف التي أشارتْ إنّ الزيارة شابها الجمود وغابتْ عن مسارها فعالية المواقف والخطط، ويلفت المراقبون المتخصصون في صلب أعمال الدبلوماسية الأميركية أنهم لم يلحظوا تحديد جدول أعمال صارم، ولم يكُن هناك صياغة جدول أعمال مسبق ومحدّدْ بدقة وموضوعية تضمّنَ مخرجات وقرارات مطلوب إتخاذها، وإستند المراقبون على هذا التوصيف لعدم وجود إختصاصيين في فريق عمل الرئيس.

من الملاحظ أنّ لبنان بحالته الحاضـرة المحكومة بواقعها من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يحظى بالإهتمام الذي يحتاجه على صعيد الدولي وخصوصًا الأميركي والأوروبي لمساعدته على الخروج من الأزمة الحالية والسبب الجوهري أنّ الإدارة السياسية اللبنانية غير قادرة على إنتاج موقف رسمي موّحد للحل. كما أنّ رئيس الجمهورية والوفد الذي رافقه بديا غير قادرين على إيجاد الحلول للأزمة السياسية والعسكرية والإقتصادية والإجتماعية التي تعيشها البلاد والوفد في العمق مجموعة شخصين غير مؤهلين لمواكبة الأمور فيما خرائط المنطقة تتغيّرْ والتحالفات تتبدّلْ وفق آليات ظهرت للعلن في هذه المرحلة الحسّاسة من التاريخ اللبناني. وفد غير قادر على إستيعاب المشاكل المتفرّعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر : الوضع الأمني – الوضع المعيشي – نظام مصرفي متهالك – إنهيارات في كل القطاعات – إهمال وفساد – إقطاع وإقصاء...

وفق المنطق الدبلوماسي تستبعدْ أوساط دبلوماسية وسياسية وإغترابية إمكانية التعويل على نجاح زيارة رئيس الجمهورية ووفده في عقد مبادرات إنتاجية، لا سيّما أن الرئيس دونالد ترامب أشار في معرض الزيارة عن إمكانية التعويل على تدخل الشرع في حل أزمة ميليشيا حزب الله وهذا الكلام قيل أمام رئيس الجمهورية وفي البيت الأبيض، للوهلة الأولى لا يمكن فهم مضمون كلام الرئيس ترامب بوصفه مجرد إنحراف لغوي دبلوماسي أو سلوك خارج عن قواعد الخطاب العام، فالمسألة تتجاوز حدود الخطاب الرئاسي الأميركي لتلامس طريقة إبراز عجز النظام السياسي الممثل بالرئيس اللبناني الغير قادر على ضبط الحركة الميليشياوية المتمثلة بحزب الله، إذ فصلّ الرئيس ترامب قوله قائلاً " أن الشرع لديه الخبرة في محاربة حزب الله " وهذا أمر يقصد من خلاله وأمام الضيف أنك عاجز تمامًا عن القيام بواجبك.

أظهر اللقاء بين الرئيسين أن الإدارة الأميركية لديها رغبة حقيقية في الفصل بين الملفين، وهذه الرغبة قائمة لدى الأميركيين أكثر من اللبنانيين، مغزى هذا الموقف الأميركي أمام الضيف يُجسِّدْ عجزه الفاضح وهو عمليًا يواجه أزمة بنيويّة تتجلّى في شلل المؤسسات الدستورية والفشل في إتخاذ المواقف الصارمة من التدخل الإيراني في شؤون لبنان كما فقدان القدرة على إتخاذ القرارات السيادية المستقلة... هذا الغياب للقرارا الوطني الموّحد جعل الإدارة الأميركية تُعنى بفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.

مقصد الكلام في البيت الأبيض ذو المغزى الخطير هو كناية عن فن إيصال الرسائل الصعبة والمبطّنة، وكناية عن لغة دبلوماسية شديدة التهذيب تخفي وراءها عواقب معينة... صدق ونستون تشرشل حين قال " الدبلوماسية هي فن أن تقول للناس إذهبوا إلى الجحيم بطريقة تجعلهم يسألونك عن الطريق إليها ".

 

* ناشط سياسي و رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment