مار شربل… ناسك النور الذي يعبر الأزمنة ويوقظ الرجاء في قلب الكنيسة والعالم

07/24/2026 - 09:13 AM

Jonathan Amireh

 

 

بقلم الأب نبيل مونس

في هذه الجمعة، الرابع والعشرين من تموز 2026، تحتفل الكنيسة بذكرى أحد أبرز قديسي الشرق وأكثرهم حضوراً في وجدان المؤمنين حول العالم: الناسك الماروني مار شربل مخلوف، الراقد في دير مار مارون – عنّايا في جبال لبنان الغربية. هذا الموضع الذي تحوّل عبر العقود إلى منارة روحية تستقبل سنوياً آلاف الحجاج من مختلف الطوائف والبلدان، يأتون حاملين آلامهم ورجاءهم، طالبين شفاعة القديس الذي صار علامة حيّة لعمل الله في عالم اليوم.

ولد القديس شربل عام 1828، وعاش عشرين عاماً في دير مار مارون – عنّايا، قبل أن يختار حياة الوحدة في المحبسة القريبة، حيث أمضى ثلاثة وعشرين عاماً في الصلاة والصمت والتقشف. وهناك، في تلك الزاوية المنعزلة، صاغ القديس مسيرته الروحية على أربعة أعمدة أساسية: الصلاة، الصمت، التواضع، والفقر. وقد أشار البابا ليون الرابع عشر إلى هذه الأعمدة خلال زيارته الرسولية إلى لبنان في كانون الأول 2025، حين وقف بخشوع أمام ضريح القديس، مسلّماً إليه لبنان والشرق الأوسط والكنيسة جمعاء.

منذ وفاة مار شربل عام 1898، سجّل دير عنّايا في لبنان أكثر من ثلاثين ألف حالة شفاء موثّقة تُنسب إلى شفاعته، فيما تخطّى عدد الشهادات غير الموثّقة ستين ألف حالة حول العالم، ما يعكس حضور القديس في حياة المؤمنين في الشرق والغرب. ولم تعد عجائبه محصورة بلبنان، بل امتدت إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث تُسجّل سنوياً عشرات حالات الشفاء في ولايات كاليفورنيا (لوس أنجلوس، سان دييغو، سان خوسيه)، نيويورك، نيوجيرسي، فلوريدا، تكساس، أوهايو، ميشيغن وبنسلفانيا،

وقد شملت هذه الحالات أمراض السرطان والقلب والشلل وأمراض المناعة، إضافة إلى حالات شفاء فورية بعد الصلاة أمام تماثيله أو لمس زيت عنّايا. كما ظهرت عجائبه في أوروبا، ولا سيما في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا، وفي أميركا اللاتينية في البرازيل والمكسيك والأرجنتين، وفي أستراليا وكندا حيث تنتشر الرعايا المارونية ويُسجّل سنوياً عدد كبير من الشهادات. هذا الانتشار العالمي للعجائب يؤكد أن نور المحبسة في عنّايا أصبح شعاعاً يصل إلى أقاصي الأرض، وأن حضور مار شربل الروحي يتخطّى الحدود والطوائف والجغرافيا ليبقى علامة رجاء حيّة في قلب الكنيسة والعالم.

ومن بين أشهر الشهادات، معجزة شفاء السيدة نُهاد شامي عام 1993، التي أصيبت بشلل نصفي بعد جلطة دماغية، فاستعادته بالكامل في اليوم التالي بعد أن صلّت للعابد الناسك ووُضعت على عنقها زيت وتراب من ضريحه. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح يوم الثاني والعشرين من كل شهر موعداً للحجّ والصلاة في عنّايا، حيث يتوافد المؤمنون من لبنان والعالم. وفي كانون الثاني 2026، سُجّلت حالتا شفاء جديدتان لامرأتين، إحداهما في الولايات المتحدة والأخرى في لبنان، وكلتاهما شهدتا بشفاء غير مفسَّر طبياً بعد طلب شفاعة القديس شربل، ما أعاد التأكيد على أن حضوره الروحي لا يزال فاعلاً بقوة في حياة المؤمنين.

ومع تزايد الشهادات والصلوات، توسّعت أماكن العبادة المكرّسة للقديس حول العالم. ففي فرنسا، افتُتح عام 2025 دير ماروني مكرّس للقديس في Villiers-sur-Marne، ليصبح مركزاً للصلاة والعبادة واستقبال المؤمنين. وفي شمال فرنسا، استقبلت كنيسة سان مارتان – أنيش تمثالاً ورُفاتاً للقديس، وأصبحت تنظّم لقاءات روحية وحجّات محلية بشكل دوري. هذا الانتشار ليس مجرد توسّع جغرافي، بل هو امتداد لرسالة القديس الذي عاش في صمت الجبال، فصار صوته اليوم يعلو في قلوب الملايين، شاهداً على أن القداسة ليست مشروعاً فردياً، بل نوراً يُشعّ حيثما وُجدت الحاجة إلى الرجاء.

في زمنٍ يمرّ فيه لبنان بأزمات سياسية واقتصادية وروحية، يعود مار شربل ليذكّر اللبنانيين بأن الرجاء ليس وهماً، بل هو قوة تُبنى بالصلاة والصمت والعمل المتواضع. إن آلاف المؤمنين الذين يصعدون إلى عنّايا كل عام يحملون في قلوبهم وطنهم الجريح، ويضعونه أمام ضريح القديس، طالبين منه أن يبقى شفيعاً للبنان، وأن يرافقه في مسيرته نحو السلام والاستقرار. مار شربل ليس مجرد قديس من الماضي، بل هو رفيق حاضر، يعلّمنا أن الله يعمل بصمت، وأن النور الذي يخرج من المحبسة قادر أن يبدّد ظلمات العالم.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment