عشاء السفارة يبدّل المزاج الأميركي: واشنطن ممتعضة من عون

07/24/2026 - 09:35 AM

Jonathan Amireh

 

كارين القسيس

لم تكد الدعوة التي وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره اللبناني جوزف عون لزيارة واشنطن تُسوّق على أنّها بداية مرحلة جديدة في العلاقات الثنائيّة، حتّى انقلبت، وفق مصادر أميركية واكبت الزيارة عن كثب، إلى اختبار كشف هشاشة الخطاب اللبناني الرسمي. ففي غضون ساعات، سقط الانطباع الإيجابي الذي خلّفه اللقاء في المكتب البيضاوي، بعدما نسفته التصريحات التي أدلى بها عون لاحقًا خلال مأدبة عشاء أقامتها السفيرة اللبنانيّة لدى واشنطن ندى حمادة معوض، في حضور مسؤولين في الكونغرس من أصول لبنانية وشخصيات ديبلوماسية أميركية، اذ اعتبرت المصادر أنّ مواقف عون جاءت على مسافة شاسعة ومتناقضة في صورة فاضحة، مع الرسائل التي سمعها ترامب قبل ساعات داخل الغرفة المغلقة.

 وبين رسائل انسجمت مع ما أرادت الادارة الأميركيّة سماعها، وآخر أعاد إحياء السردية التقليدية في شأن "حزب الله"، بدا، في نظر تلك المصادر، وكأنّ الرئيس اللبناني  ادلى بخطابين متناقضين في زيارة واحدة، في مشهد أثار استغرابًا واسعًا داخل دوائر القرار الأميركيّة. 

 فبحسب ما نقلته المصادر الأميركيّة نفسها إلى "كافيين دوت برس"، فإنّ أحاديث الرئيس اللبناني خلال العشاء لم تُقابل بمجرد استغراب، بقدر ما أحدثت امتعاضًا أميركيًا، إلى درجة أنّ أحد الحاضرين وصف المشهد بأنه "انفصام كامل في الخطاب"، متسائلًا في الوقت ذاته كيف يمكن لرئيس دولة أن يقدّم للإدارة الأميركية خطابًا، ثم يعود بعد ساعات قليلة ليطرح خطابًا مغايرًا نوعًا ما أمام مسؤولين أميركيين آخرين. وبحسب المصادر، فإنّ هذا التناقض اعتُبر مؤشرًا إضافيًا على استمرار الذهنيّة اللبنانيّة القائمة على محاولة إرضاء "حزب الله"، حتى ولو كان الثمن فقدان المصداقية أمام الشريك الدولي. 

 ويأتي ذلك، وفق المصادر، في وقت كانت الحكومة اللبنانية قد صنّفت الجناح العسكري لـ"الحزب" تنظيمًا خارجًا عن القانون، وبعد حالة الامتعاض التي أثارتها سابقًا تصريحات قائد الجيش رودولف هيكل في واشنطن عندما قال إنّ "الحزب ليس منظمة إرهابية". لكن المفاجأة، بحسب الرواية نفسها، جاءت عندما اختار عون، ومن داخل السفارة اللبنانية في قلب العاصمة الأميركية، أن يؤكد أن "حزب الله ليس قوة مرتزقة أجنبية، بل يتألف من مواطنين لبنانيين تشكّل على مدى أربعين عامًا"، وهو كلام اعتبره الحاضرون، بحسب المصادر، انقلابًا على الرسائل التي كانت الإدارة الأميركية تعتقد أنها تلقتها خلال الاجتماع الرسمي. 

 وكشفت المصادر أنّ أجواء العشاء تبدلت بالكامل بعد هذه التصريحات، إذ خيّم الصمت والامتعاض على بعض الحاضرين، انطلاقًا من قناعة أميركية راسخة بأن "حزب الله" لا يخفي ارتباطه المباشر بـ"فيلق القدس" الإيراني، ولا مصادر تمويله وتسليحه، وهي وقائع ترى واشنطن أنها ثابتة ولا تحتمل إعادة التوصيف السياسي. لذلك، فإنّ عودة الرئيس اللبناني إلى التمسك بمعادلة "لا نزع لسلاح الحزب قبل الانسحاب الإسرائيلي" بدت، في نظر المصادر، وكأنها إعادة تبنّ كاملة لموقف "الحزب"، حتى إن بعض المشاركين خرج بانطباع مفاده بأنّ عون كان يدافع عن مواقف "حزب الله" أكثر مما كان يدافع عن سياسة الدولة اللبنانيّة. 

 ولم يتوقف الاستياء الأميركي عند هذا الحد، إنّما تضاعف مع حديث عون عن "اندماج الحزب" داخل مؤسسات الدولة، في وقت تؤكد الإدارة الأميركية أنّها لا تبحث عن إعادة تدوير الأزمة أو منح "الحزب" شرعية جديدة تحت أي عنوان، بل عن إنهاء واقع السلاح الخارج عن سلطة الدولة بصورة نهائية. وبحسب المصادر، فإن مجرد إثارة مفهوم "الاندماج" في هذا التوقيت فُهم في واشنطن على أنه محاولة لفتح باب التفاف سياسي على المطالب الأميركية، وتمهيد غير مباشر للمقاربة التي سبق أن نُسبت إلى الموفد السعودي يزيد بن فرحان، والقائمة على منح "حزب الله" ضمانات داخل مؤسسات الدولة مقابل تسليم سلاحه، وهي صيغة تعتبرها دوائر أميركية شديدة الحساسية. 

 وذكّرت المصادر أنّ لقاء ترامب ــ عون لم يكن مناسبة بروتوكولية أو زيارة مجاملة، بقدر ما كان اختبارًا سياسيًا حاسمًا لقياس مدى استعداد لبنان الرسمي للانتقال من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الأفعال، مؤكدةً أنّ بعض الشخصيات خرجوا بانطباع مفاده بأنّ سياسة الخطابين لا تزال تحكم الأداء الرسمي اللبناني، خطاب يُقال لإرضاء واشنطن، وآخر يُقدّم فور الابتعاد عن الطاولة الرسمية، في مشهد لا يعزز الثقة، إنّما يبددها.

 وختمت المصادر حديثها بالإشارة إلى أنّ الرئيس ترامب، الذي بادر إلى إرسال إشارات إيجابية تجاه لبنان، وفي مقدمها السماح باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى بيروت، كان ينتظر خطوات مقابلة تؤكد جديّة الدولة اللبنانية، لا مواقف تُعيد خلط الأوراق وتثير الشكوك من جديد. ووفقًا للمعلومات، فقد انعكس هذا المناخ سريعًا على قرار إرجاء زيارة رئيس لجنة "الميكانيزم"، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، التي كانت مقررة إلى بيروت، إلى أجل غير مسمى، في رسالة قرأتها المصادر على أنها واضحة وصريحة: "في واشنطن لم يعد يُقاس المسؤول بما يقوله أمام الكاميرات، بل بما يلتزم به عندما تُطفأ الأضواء".

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment