من نافذة القلب... ولم أجد إلا حبك

07/24/2026 - 07:29 AM

Your Ad Here

 

 

 

 رشيد ج. مينا

كان للرحلات التي خضتها، وللمشاهد التي تأملتها من نوافذ الطائرة والسفينة والطريق، أثر عميق في نفسي. فمن نافذة الطائرة رأيت الأوطان، ومن نافذة السفينة استحضرت التاريخ والذاكرة، ومن نافذة الطريق لامست واقع الإنسان والمجتمع. لكنني، بعد كل تلك الرحلات، وجدتني أتساءل: إذا كانت لكل وسيلة نافذة أطل منها على العالم، فكيف تكون الرؤية من نافذة القلب؟

أي مشهد يمكن أن أراه من هناك؟

هل سأرى الحب بكل اتساعه وجماله؟ أم سأرى الرحمة والعطف والوفاء والتسامح؟ أم أنني سأرى الخوف والرهبة والقلق والحنين؟ وهل للقلب أصلًا نافذة يرى منها، أم أننا نحن من رسمنا له تلك الصورة عبر القرون؟

أخذتني الأسئلة بعيدًا.

فالعلم يقول إن القلب ليس سوى عضو يؤدي وظيفة محددة؛ يضخ الدم في أنحاء الجسد، ويحافظ على استمرار الحياة. لكن هل يختزل الإنسان في وظيفة أعضائه؟ وهل يصبح القلب، لأنه مجرد مضخة، خاليًا من كل المعاني التي حملها البشر إليه؟

كم من إنسان بقي قلبه ينبض بينما غاب عن الوعي، وكم من قلب استمر في الخفقان بينما غابت الروح عن صاحبها، أو غابت عنه القدرة على الإحساس والإدراك. فهل الحب يسكن القلب فعلًا، أم أن القلب لم يكن يومًا سوى رمز حملناه أكثر مما يحتمل؟

ثم أتساءل من جديد...

إذا كان الدماغ هو مركز التفكير والتحليل، وإذا كانت علوم الأعصاب تخبرنا أن المشاعر تتشكل داخله، فلماذا لم يقل أحد يومًا: أحببتك بعقلي؟ ولماذا بقي الإنسان، في كل الحضارات والثقافات، ينسب الحب إلى القلب، لا إلى الدماغ؟

هل أخطأت الإنسانية كلها؟

أم أنها أدركت، بفطرتها، أن بعض الأشياء لا تُقاس بوظيفة العضو، بل بما يرمز إليه في وجدان الإنسان؟

أسرح في رحلتي أكثر.

أتذكر وجهك، فأراه يشع نورًا في داخلي. لا أدري من الذي حرّك هذا الشعور. أهو القلب الذي اشتد خفقانه لينبهني إلى حضورك؟ أم هو الدماغ الذي استدعى صورتك من الذاكرة؟ أم أن العقل نسج من الذكريات والمواقف والإحساس نسيجًا جديدًا سميناه حبًا؟

وأقف حائرًا...

هل أحمل قلبي بين ضلوعي، أم أنك أنت من يحمل هذا القلب حيث تريدين؟

ولماذا نحمل القلب وحده مسؤولية الحب والحنان والرومانسية والوفاء، بينما لا نعطي العقل حقه فيما يختزنه من صور وتجارب وذكريات ومشاعر تتراكم فيه حتى تصنع ذلك الإحساس الذي نعجز عن تفسيره؟

وفي خضم هذه الرحلة، تستحضر ذاكرتي نصيحة طالما سمعتها تتردد بين الناس:

"ضع عقلك مكان قلبك عندما تريد أن تقرر، وضع قلبك مكان عقلك عندما تريد أن تحكم على الناس."

وكأن الإنسان يعيش صراعًا دائمًا بين الاثنين.

فعندما يتعلق الأمر بالمشاعر، يُستدعى القلب.

وعندما تتعلق القضية بالمصالح، يُستدعى العقل.

وكأن أحدهما خُلق للحب، والآخر للحساب.

لكنني لا أرى الأمر كذلك.

فالعقل بلا قلب قد يتحول إلى آلة باردة لا تعرف الرحمة، والقلب بلا عقل قد يقود صاحبه إلى اندفاع يؤذيه ويؤذي من حوله. وما أجمل الإنسان عندما يلتقي فيه العقل والقلب، فيقود الأول الطريق، ويمنح الثاني الرحلة معناها.

ربما يستطيع العلم أن يفسر كيف ينبض القلب، وكيف تعمل الخلايا العصبية، وكيف تتشكل الذكريات والانفعالات، لكنه لا يستطيع أن يخبرني لماذا أحببتك أنت دون سواك، ولماذا يصبح وجه واحد وطنًا، وصوت واحد طمأنينة، وابتسامة واحدة حياة.

هناك أمور يستطيع العقل أن يشرحها، وأخرى لا يستطيع إلا أن يعيشها.

وهكذا أكملت رحلتي، أحاول أن أرى الحقيقة من نافذة القلب، لا كما رسمها الموروث وحده، ولا كما فسرها العلم وحده، بل كما يعيشها الإنسان في لحظاته الأكثر صدقًا.

بحثت طويلًا بين القلب والعقل، وبين العلم والوجدان، وبين الحقيقة والرمز، محاولًا أن أجد جوابًا يطمئنني.

وكلما ظننت أنني اقتربت من الحقيقة، ازداد يقيني أن الإنسان أكبر من أن يُختزل في عضو، وأعمق من أن يُفسَّر بمعادلة.

وحين توقفت عن البحث...

ورفعت بصري من نافذة القلب...

لم أرَ إلا وجهك... ولم أجد إلا حبك.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment