انطوان ابو خاطر
الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على قولها: نبيه بري ليس حليفاً لحزب الله. هو شريك في مشروع واحد: احتكار التمثيل الشيعي وتقاسم غنائم الدولة اللبنانية. علاقة لا تحكمها العقيدة ولا المقاومة ولا خط الإمام موسى الصدر، بل تحكمها معادلة برد وحساب: حزب الله يحتاج بري ليبيّض سلاحه في البرلمان ويحوله من ميليشيا خارج الشرعية إلى "مقاومة" داخل الدستور، وبري يحتاج حزب الله كقوة تمنع ظهور أي منافس شيعي حقيقي على كرسيه منذ 1992.
أما السفير الأميركي ميشال عيسى، فهو أول دبلوماسي أميركي يفهم اللعبة كما هي. هو لا يزور عين التينة ليجامل رئيس البرلمان، بل يذهب للتفاوض مع "المُسلِّم الوحيد" باسم الثنائي الشيعي، الرجل الذي يستطيع أن يوقع على تسليم جنوب الليطاني تحت عنوان مضلل اسمه "المناطق التجريبية".
نبيه بري: ليس زعيماً.. بل حارس نظام المزرعة
بقاء بري 34 سنة على كرسي رئاسة البرلمان ليس دليل قوة شعبية بقدر ما هو دليل منفعة متبادلة مع منظومة الفساد. هو الرجل الذي يضمن للجميع أن الدولة لن تسقط، وأنها في الوقت نفسه لن تقوم أبداً. بري لم يعد رئيس حركة أمل فقط؛ بل صار وسيطًا سياسيًا يملك مفاتيح التعطيل. لا ترسيم بحري، لا اتفاق غاز، لا وقف إطلاق نار، ولا انتخاب رئيس يمكن أن يمر دون أن يأخذ عمولته السياسية. ليس لأنه يملك الحل، بل لأنه يملك وحده مفتاح التعطيل، وهذا ما جعله في حرب 2024 المفاوض الحصري باسم لبنان، بينما رئيس الحكومة يتفرج من بعيد.
العلاقة مع حزب الله: ليست تحالفاً.. بل شركة مافيا منظمة
الصورة الساذجة تقول إن بري تابع لحزب الله. الحقيقة أكثر تعقيدًا: حزب الله يملك على الأرض الصواريخ والمقاتلين والتمويل وقرار الحرب والسلم، بينما يملك بري في المؤسسات مفاتيح الدستور والنظام الداخلي للمجلس وقدرة على تحويل أي مطلب إلى غطاء قانوني باسم "الوحدة الوطنية". المقايضة واضحة: حزب الله يتعهد بعدم السماح بانتخابات شيعية حرة قد تفضي إلى بديل لبري، وبري يتعهد بعدم تمرير قرارات دولية أو داخلية تُدين سلاح الحزب إلا بعد تفريغ مضمونها. لذلك يبدّل بري أدواره ببراعة: أمام المجتمع الدولي يظهر كرجل دولة معتدل، وعند الحاجة يلبس عباءة الثنائي الشيعي لتعطيل التحقيقات أو القرارات.
ميشال عيسى: انتهى زمن الدبلوماسية الناعمة
السفير ميشال عيسى لا يمارس دبلوماسية المجاملات. زياراته المتكررة لعين التينة وقصر بعبدا تنفّذ استراتيجية أميركية جديدة: تجاوز الحكومة الشكلية والتفاوض مع مركز القرار الفعلي. مصطلح "المناطق التجريبية" الذي يطرحه ليس خطة إنسانية بحتة، بل فخ سياسي واختبار لبري: هل أنت الضامن فعلاً؟ هل تستطيع إخراج حزب الله من جنوب الليطاني وتسليم الأرض للجيش اللبناني؟ واشنطن اليوم لا تضغط على إسرائيل وحدها، بل تضغط على بري نفسه. الرسالة واضحة: زمن الغطاء المجاني انتهى؛ إما أن تكون الكفيل الذي يضمن التزام الحزب، أو ستُكشف كواجهة بلا قدرة حقيقية.
هل يبيع بري ما لا يملكه؟
هنا تكمن نقطة الانفجار. بري بارع في شراء الوقت والتأجيل، لكنه لا يملك زر الصواريخ. قدرته الحقيقية تقتصر على التأجيل وإدارة الأزمة مؤقتًا. إذا قررت طهران هدنة تكتيكية، سيظهر بري كبطل قومي أنقذ لبنان. وإذا قررت طهران استمرار المواجهة، فلن يملك بري سوى إصدار بيانات قلق وإغلاق مجلس النواب كما فعل سابقًا. الخلاصة: ما يجري في لبنان ليس صراعًا بين دولة وميليشيا فحسب، بل شراكة إدارة بين قوة مسلحة تسيطر على الأرض وقوة دستورية تسيطر على المؤسسات؛ الاثنتان تحتجزان اللبنانيين كرهائن.
خلاصة حادة وواضحة
بري ليس وسيطًا محايدًا، بل مستثمر في استمرار الأزمة؛ استمرار الفوضى هو ما يبقيه ضروريًا. وحزب الله ليس مجرد مقاومة، بل سلطة احتلال داخلي تسعى إلى ختم شرعيتها بغطاء برلماني. الأميركيون أدركوا أن التفاوض مع الحكومة وحدها مضيعة للوقت، لذا راهنوا على قنوات مباشرة مع من يملك مفتاح الحل. رهان ميشال عيسى اليوم بسيط وخطير: تحويل نبيه بري من محامي دفاع عن حزب الله إلى كفيله الشخصي. والقاعدة القانونية تقول: إذا أخلّ المكفول بالتزامه، سقط الكفيل معه.












07/21/2026 - 17:21 PM





Comments