مفيد خطَّار
لَيْسَ كُلُّ فَيْلَسُوفٍ مَنْ أَكْثَرَ الكَلَامَ، وَلَا كُلُّ حِكْمَةٍ تُولَدُ فِي الكُتُبِ. فَفِي زَوَايَا الحَيَاةِ الهَادِئَةِ، بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ التَّعَارِيفِ وَكَثْرَةِ النَّظَرِيَّاتِ، يُولَدُ أَحْيَانًا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الحِكْمَةِ... حِكْمَةُ القَلْبِ.
هُنَا يَظْهَرُ الفَيْلَسُوفُ الأُمِّي. وَلَيْسَ الأُمِّيُّ هُنَا مَنْ لَا يَقْرَأُ، بَلْ مَنْ أَدْرَكَ أَنَّ الحَقِيقَةَ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ تُحْبَسَ فِي الكَلِمَاتِ، وَأَعْمَقُ مِنْ أَنْ تُخْتَصَرَ فِي تَعْرِيفٍ.
إِنَّهُ إِنْسَانٌ تَعَلَّمَ أَنْ يُصْغِيَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَحَ، وَأَنْ يُحِبَّ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَأَنْ يَقِفَ بِدَهْشَةٍ أَمَامَ سِرِّ الحَيَاةِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ امْتَلَكَهُ.
الفَلْسَفَةُ فِي أَصْلِهَا هِيَ حُبُّ الحِكْمَةِ، لَكِنَّ الحِكْمَةَ لَيْسَتْ ثَمَرَةَ العَقْلِ وَحْدَهُ، بَلْ كَثِيرًا مَا تَنْبُعُ مِنْ قَلْبٍ انْفَتَحَ لِلنُّورِ، وَمِنْ ضَمِيرٍ تَعَلَّمَ التَّوَاضُعَ أَمَامَ سِرِّ الوُجُودِ.
كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ بَسِيطٍ لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا فِي الفَلْسَفَةِ، لَكِنَّهُ فَهِمَ الحَيَاةَ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرِينَ. وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ امْتَلَأَتْ مَكْتَبَتُهُ بِالكُتُبِ، لَكِنَّهُ بَقِيَ غَرِيبًا عَنْ نَفْسِهِ.
الفَيْلَسُوفُ الأُمِّيُّ يُشْبِهُ الطِّفْلَ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى العَالَمِ بِدَهْشَةٍ، وَيَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ خِبْرَةَ قَلْبٍ مَرَّ بِالفَرَحِ وَالأَلَمِ، فَتَعَلَّمَ مِنْ كِلَيْهِمَا أَنَّ النُّورَ لَا يُولَدُ إِلَّا مِمَّنْ لَا يَخَافُ مُوَاجَهَةَ الحَقِيقَةِ. فَهُوَ لَا يَسْعَى إِلَى امْتِلَاكِ الحَقِيقَةِ، بَلْ إِلَى السَّيْرِ مَعَهَا، وَلَا يُحَاوِلُ أَنْ يَشْرَحَ اللهَ، بَلْ أَنْ يَحْيَا فِي حُضُورِهِ.
اللهُ، فِي عُمْقِ التَّجْرِبَةِ الرُّوحِيَّةِ، لَيْسَ فِكْرَةً يُحِيطُ بِهَا العَقْلُ، بَلْ سِرٌّ يُعَاشُ بِالقَلْبِ. وَفِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ لَا يَتَجَلَّى الإِنْسَانُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَعْبُرُ مَحَطَّاتٍ يَكْتَشِفُ فِيهَا وَجْهًا جَدِيدًا مِنْ ذَاتِهِ، فَلَا تَبْقَى بَعْضُ الشَّخْصِيَّاتِ أَسْمَاءً فِي التَّارِيخِ، بَلْ تُصْبِحُ رُمُوزًا لِمَا يَعِيشُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي مَسِيرَتِهِ نَحْوَ الحَقِيقَةِ.
فَهِنْدٌ لَيْسَتِ اسْمًا لِشَخْصٍ فَحَسْبُ، بَلْ رَمْزٌ لِلْقَلْبِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الحُبِّ وَالمَعْنَى، يَسْأَلُ، وَيَتَرَدَّدُ، وَيَخَافُ، لَكِنَّهُ لَا يَكُفُّ عَنِ البَحْثِ.
وَبُولُسُ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي انْقَلَبَتْ حَيَاتُهُ حِينَ لَمَسَهُ النُّورُ، فَأَدْرَكَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الحَقِيقَةِ يَبْدَأُ أَحْيَانًا بِالسُّقُوطِ، لِيَغْدُوَ القِيَامُ وِلَادَةً جَدِيدَةً.
كِلَاهُمَا يَسِيرُ فِي الرِّحْلَةِ نَفْسِهَا: رِحْلَةِ الإِنْسَانِ نَحْوَ ذَاتِهِ العَمِيقَةِ.
فَالإِنْسَانُ لَا يُولَدُ مُكْتَمِلًا، بَلْ يُدْعَى إِلَى أَنْ يَصِيرَ. وَالحَيَاةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عُبُورٍ فِي الزَّمَنِ، بَلْ مَسِيرَةُ تَشَكُّلٍ، يَكْتَشِفُ فِيهَا السِّرَّ الَّذِي أَوْدَعَهُ اللهُ فِي أَعْمَاقِهِ.
وَمَا يَصِحُّ عَلَى الإِنْسَانِ يَصِحُّ أَيْضًا عَلَى الأَوْطَانِ. فَلَيْسَ الوَطَنُ مُجَرَّدَ أَرْضٍ أَوْ سُلْطَةٍ، بَلْ رِسَالَةٌ تَتَجَدَّدُ بِقَدْرِ مَا يَتَجَدَّدُ أَبْنَاؤُهُ. وَحِينَ تَسْبِقُ حِكْمَةُ القَلْبِ مَنْطِقَ الغَلَبَةِ، يَغْدُو الوَطَنُ مَكَانًا لِلِّقَاءِ لَا لِلْخِصَامِ، وَلِلشَّهَادَةِ لَا لِلصِّرَاعِ.
وَهَكَذَا يُصْبِحُ الفَيْلَسُوفُ الأُمِّيُّ شَاهِدًا عَلَى حَقِيقَةٍ بَسِيطَةٍ وَعَظِيمَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ: أَنَّ الحِكْمَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ المَحَبَّةِ، وَأَنَّ المَعْرِفَةَ الَّتِي لَا تُنِيرُ القَلْبَ تَبْقَى نَاقِصَةً، مَهْمَا اتَّسَعَتْ.
وَفِي النِّهَايَةِ، قَدْ لَا يَعْرِفُ الفَيْلَسُوفُ الأُمِّيُّ كَيْفَ يُفَسِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ يَعْرِفُ السِّرَّ الَّذِي يُفَسِّرُ كُلَّ شَيْءٍ: أَنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ لِيَبْحَثَ عَنِ اللهِ، ثُمَّ يَكْتَشِفَ أَنَّ اللهَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ بِنِعْمَتِهِ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ مُنْذُ البِدَايَةِ.
هُنَا تَتَجَلَّى الفَلْسَفَةُ الحَقِيقِيَّةُ: لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ الكَلَامِ، بَلْ فِي حَيَاةٍ تُصْبِحُ هِيَ نَفْسُهَا كَلِمَةً صَادِقَةً. فَحِينَ تَسْكُنُ المَحَبَّةُ القَلْبَ، يَتَنَوَّرُ العَقْلُ، وَيَنْكَشِفُ الطَّرِيقُ، وَيُدْرِكُ الإِنْسَانُ أَنَّ أَعْظَمَ الفَلَاسِفَةِ هُوَ مَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يَعِيشَ الحَقَّ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْهُ.











07/18/2026 - 20:58 PM





Comments