إيران... من الثورة إلى مشروع الدولة: ولادة فكرة النفوذ العابر للحدود

07/19/2026 - 01:26 AM

Atlantic home care

 

 

 

الحلقة الأولى من سلسلة: "إيران... بين الثورة والجغرافيا والنفوذ: كيف تشكل المشروع الإيراني؟"

 

معتز فخرالدين *

تمهيد السلسلة:

هذه المقالة هي الحلقة الأولى من سلسلة تتناول نشأة المشروع الإيراني الحديث، وتحولاته الفكرية والسياسية والاستراتيجية، من لحظة انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، مرورًا ببناء مفهوم "تصدير الثورة"، وصولًا إلى شبكة النفوذ الإقليمي التي شكلتها إيران في عدد من ساحات الشرق الأوسط. ولا تهدف هذه السلسلة إلى قراءة إيران من خلال الشعارات التي ترفعها فقط، ولا من خلال مواقف خصومها وحدها، بل إلى محاولة فهم المسار التاريخي والسياسي الذي جعل إيران تنتقل من دولة خرجت من ثورة داخلية إلى قوة إقليمية تسعى إلى بناء نفوذ يتجاوز حدودها.

إيران... بين الثورة والدولة

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم يكن التحول الذي شهدته البلاد مجرد تغيير في نظام الحكم، بل كان إعلانًا عن ولادة مشروع سياسي يحمل تصورًا جديدًا لدور إيران في المنطقة والعالم.

فقد قامت الجمهورية الإسلامية على خطابين أساسيين:

الأول: مواجهة ما أسمته "الاستكبار العالمي"، وعلى رأسه الولايات المتحدة.

والثاني: الدفاع عن "المستضعفين" ومواجهة الظلم والهيمنة، مع جعل القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل جزءًا أساسيًا من خطابها السياسي.

كانت هذه الشعارات تحمل قوة رمزية كبيرة في منطقة عاشت عقودًا من التدخلات الأجنبية والاحتلالات والصراعات. ولذلك وجدت الثورة الإيرانية في بدايتها تعاطفًا لدى شرائح واسعة رأت فيها تحديًا لنظام دولي اعتُبر مسؤولًا عن كثير من أزمات المنطقة.

لكن التجارب السياسية لا تُقاس فقط بما تعلنه من مبادئ، بل بما تنتجه من سياسات ونتائج. وبعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، لم يعد السؤال فقط: لماذا اختارت إيران مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل؟

بل أصبح السؤال الأوسع: كيف انتقلت الثورة الإيرانية من مشروع تغيير داخلي إلى مشروع نفوذ إقليمي امتد من الخليج إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر؟

تصدير الثورة... من الشعار إلى السياسة

منذ السنوات الأولى للثورة، لم تنظر القيادة الإيرانية إلى تجربتها باعتبارها شأنًا داخليًا فقط، بل باعتبارها نموذجًا يحمل رسالة يمكن أن تمتد خارج حدود إيران. ومن هنا ظهر مفهوم "تصدير الثورة"، الذي أصبح أحد المفاهيم المركزية في السياسة الإيرانية.

بالنسبة لطهران، لم يكن هذا المفهوم يعني بالضرورة فرض النظام الإيراني على الآخرين، بل دعم الحركات التي تراها مقاومة للهيمنة الخارجية والظلم السياسي.

لكن خصوم إيران قدموا قراءة مختلفة، معتبرين أن "تصدير الثورة" تحول عمليًا إلى سياسة لبناء نفوذ سياسي وعسكري خارج الحدود، عبر دعم قوى وحركات أصبحت مرتبطة بالمشروع الإيراني. وهنا بدأ التناقض الأساسي يظهر: فإيران التي تطالب باحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، أصبحت في نظر دول أخرى قوة تتدخل في ملفات داخلية عبر حلفاء وقوى محلية.

بين منطق الدولة ومنطق الثورة

ربما تكمن إحدى أهم الإشكاليات في التجربة الإيرانية في التوتر المستمر بين مفهوم الدولة ومفهوم الثورة. فالدولة عادة تتحرك وفق حسابات المصلحة الوطنية: حماية الحدود، تطوير الاقتصاد، بناء العلاقات الدولية، وتأمين الاستقرار الداخلي.

أما الثورة الأيديولوجية، فهي تقوم على فكرة الرسالة والتغيير، وقد ترى أن دورها لا ينتهي عند حدودها الجغرافية. ومنذ عام 1979 ظهر هذا التداخل بوضوح: فإيران هي دولة لها مؤسساتها وحدودها ومصالحها، لكنها في الوقت نفسه تحمل مشروعًا ثوريًا يرى أن أمنها ومكانتها مرتبطان بما يحدث في محيطها الإقليمي.

ومن هنا نشأ مفهوم "العمق الاستراتيجي"؛ أي أن أمن إيران لا يبدأ فقط من حدودها، بل من مناطق نفوذها خارج تلك الحدود. وهذا المفهوم سيكون لاحقًا أحد المفاتيح الأساسية لفهم السياسة الإيرانية في لبنان والعراق وسوريا واليمن. فما تعتبره إيران حماية لأمنها القومي وبناءً لخطوط دفاع متقدمة، يراه خصومها محاولة لفرض نفوذ على دول المنطقة.

لماذا احتاجت إيران إلى هذا المشروع؟

لفهم السلوك الإيراني لا يكفي النظر إلى الشعارات السياسية، بل يجب العودة إلى عاملين أساسيين: الجغرافيا والتاريخ. فإيران ليست فقط دولة ذات مشروع أيديولوجي، بل دولة تحمل ذاكرة تاريخية طويلة وموقعًا جغرافيًا جعل مسألة الأمن والتهديد الخارجي حاضرة بقوة في تفكيرها.

لقد عاشت إيران خلال القرن العشرين تجارب تدخلات خارجية، كان أبرزها انقلاب عام 1953 على حكومة محمد مصدق، الذي بقي حاضرًا في الذاكرة السياسية الإيرانية باعتباره مثالًا على تدخل القوى الغربية في القرار الداخلي.

كما جاءت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 لتعمق الشعور بالحاجة إلى بناء قدرة ردع لا تعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية.

فقد وجدت إيران نفسها في حرب طويلة مع العراق، وشعرت بأنها تواجه بيئة إقليمية ودولية معادية. ومن هنا نشأت القناعة التي ستشكل لاحقًا أساس السياسة الإيرانية:

لا يكفي أن تدافع إيران عن حدودها، بل يجب أن تمتلك أوراق تأثير خارجها. وهكذا انتقلت إيران تدريجيًا من مرحلة الثورة وتثبيت النظام الداخلي إلى مرحلة بناء شبكة نفوذ إقليمية.

الخاتمة: بداية الطريق

لم يكن المشروع الإيراني الإقليمي وليد لحظة واحدة، بل كان نتيجة تداخل بين الثورة والتاريخ والجغرافيا والحسابات الأمنية.

فالثورة قدمت الفكرة، والتاريخ صنع المخاوف، والجغرافيا فرضت الحسابات، ثم جاءت السياسات لتترجم ذلك كله إلى واقع إقليمي جديد.

لكن السؤال الذي سيقودنا إلى الحلقات القادمة: هل كان بناء النفوذ خارج الحدود وسيلة لحماية إيران، أم أنه تحول إلى مصدر مواجهة جعلها في صدام دائم مع محيطها؟

في الحلقة الثانية من السلسلة: "الجغرافيا والتاريخ... لماذا احتاجت إيران إلى عمق خارج حدودها؟"

سنبحث في أثر الموقع الجغرافي والذاكرة التاريخية في تشكيل العقيدة الأمنية الإيرانية.

 

* معتز فخرالدين هو أحد الأصوات الفكرية اللبنانية الصاعدة في مجال التحليل السياسي، يجمع بين الكتابة النقدية، والبحث الأكاديمي، والعمل في مؤسسات فكرية وثقافية، مع تركيز واضح على قضايا الهوية العربية، والتحولات العربية والإقليمية.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment