مار شربل، سِفرُ الصمتِ وأعجوبةُ البقاء وقداسة وطن مقدس

07/19/2026 - 02:46 AM

Jonathan Amireh

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

أرسل إليّ فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان، كعادته، ما يخصّ به بعض الأصدقاء والإعلاميين من مقالات، وكان بينها مقال للأستاذ فادي شربل داود بعنوان: "يوم زار مار شربل عمشيت".

قرأته، ثم أعدت نشره في بعض المجموعات المسيحية والروحية التي أشارك فيها، ومنها مجموعة "صلوات مريم العذراء". وبعدها وصلتني رسالة قصيرة من أحد المؤمنين يقول فيها:

"أخي الحبيب... لماذا لا تكتب عن القديس مار شربل بأسلوبك الذي باركك الله به؟"

اغلقت الهاتف وقلت في نفسي، كيف يكتب الإنسانُ عمن صار هو ذاته كتاباً سماوياً؟ وكيف نصفُ النور، والنورُ هو الذي يَكشفُ الأشياء ولا يُكشَف؟ إن الكلمات حين تقف أمام "محراب القداسة" تعرف حدودها، وتدرك أن الصمتَ أحياناً هو أبلغُ لغاتِ الشكر، والاعتراف الصارخ بالعجز الفكري. فالكلمة العظيمة الخالدة تحتاج إلى "وحيٍ إلهي"؛ ألم يتحدث ربُّ السماوات عن الشعراء في محكم تنزيله؟ وألم يقل العارفون إن بين الكاتب والسماء "شبراً" واحداً، منه يلتقط الكلمة من مآذِنِ النور والكتاب المسطور ليهبط بها برداً وسلاماً على الأرض؟

أنا ابن "بشتليدة" و"فدار"، تلك الأرض التي لا تفصلها عن "عنايا" حدودٌ جغرافية، بل هي صلاةٌ ممتدة يملؤها رنينُ الأجراس وعطر الأذان في آنٍ واحد، ويغلفها عبقُ البخور قبل أن تصلها الريح. هناك، في طفولتي، كان جدي "محمد حمود أمهز" (تولد 1900) يقصُّ علينا حكايا القديس تحت ضوء القنديل الشاحب. لم تكن حكايا جدي مجرد سردٍ للماضي، بل كانت شهادةً حيةً استقاها عمن عبروا "الطريق القادومية" سيراً على الأقدام ليبلغوا أعتاب عنايا. كانت تلك الحكايات "خبزاً روحياً" نقتاتُ عليه؛ يروي لنا كيف شفيت الاجساد، وأطاع الماءُ إرادة الفقراء فاستحال زيتاً يضيءُ عتمة لياليهم، وكيف كانت البهائمُ تخشعُ لصمتِ الناسك فلا تقربُ زرعاً، وكأن الطبيعة بكل جبروتها قد أدركت أن في هذا الجبل رجلاً يناجي خالقها، فانحنت لتشاركه السجود.

لقد احتجتُ اليوم إلى "معجزة" لأكتب عن صاحب المعجزات. فمنذ قرن، والملايينُ تحجُّ إليه، والأقلامُ تسيلُ في وصفه، لكن مار شربل ظلَّ عصياً على الإحاطة؛ لأنه ليس "فكرةً" تُشرح وتفصل ويضاف اليها، بل "حضورٌ" يُعاش بايمان ورهبة كبيرة، ان تتحدث عن القديس مار شربل تشعر بخوف شديد لانك تحتاج الى ايمان عظيم كي تقبل كلماتك عنه، فهو ليس شخصيةً تاريخية، بل صلاةٌ تتجسدُ في كل نبضة. وكما يقول جبران: "القديسون لا يقاسون بما صنعوه في الأرض، بل بما أيقظوه في النفوس".

كيف أكتبُ عن المعجزات في زمنِ الماديات، حيث بات الناس يشككون حتى بمعجزات الأنبياء والرسل؟ الحقيقة هي أننا لا نحتاج اليوم إلى إثبات المعجزة بالمنطق، بل نحتاج إلى "عجيبة" تعيد أرواحنا إلى فطرتها الأولى.

أتذكر فجراوات "فدار" القديمة، حين كان جدي يوقظني لنشرب كأس الحليب الدافئ قبل أن يمضي إلى فلاحة الحقل. كنتُ أتركه منشغلاً بملامسة تراب الأرض، وأمضي أنا، مدفوعاً بقوةٍ خفية، نحو دير عنايا. كنتُ أتوسدُ ظلال أشجاره، وأغفو في باحته كأنني في حضن أمي. هناك، كنت أراقب الناس؛ وجوهٌ أتت مثقلة بالانكسار والألم، وعائلاتٌ حُرمت من الذرية فأتت تطلب الحياة، وعيونٌ غسلها الدمع من يأس الطب وعجز البشر. لم تكن "عنايا" بالنسبة لهم مجرد دير، بل كانت "مشفى الرب"؛ حيث لا تُفحص الأجساد، بل تُرمّم الأرواح، ويُقدم الشفاءُ مَجاناً كحبّ الله، بلا ثمنٍ سوى أن تؤمن أكثر بأن الخالق القدير يحبك كإنسان.

إن أعظم معجزات مار شربل ليست فقط في "الزيت" الذي فاض، ولا في "الجسد" الذي قهر البِلى، ولا في شفاءٍ عجز عنه الطب، بل في "فلسفة الطاعة" التي اجترحها. فبالرغم من مكانته التي ملأت الدنيا وحاجة الناس إليه، لم يُسجّل التاريخ أنه كسر إذناً لرئيس الدير، أو خطا خطوةً دون أمر، أو اعترض على مشيئة. لقد علّمنا شربل أن "الحرية الحقيقية" تكمن في العبودية للحق لا في التمرد، وأن "السيادة" تبدأ من التواضع الجم، و"التسليم المطلق" لمشيئة الخالق.

والأعجوبةُ الكبرى التي تخصُّنا نحن، هي أن شربل حوّل لبنان من مجرد رقعة جغرافية منهكة بالسياسة والحروب، إلى "مذبحٍ كوني" تحجُّ إليه الأمم. كم من دولٍ عظمى لم يعرفها العالم إلا بالحديد والنار، أما لبنان، فقد عرّفه العالم برهيبٍ صامت، لم يملك جيشاً ولا سلطاناً، بل ملكَ قلباً امتلأ بالله، فكفاه اللهُ بأن يحمل اسم لبنان إلى أقاصي الأرض.

سيبقى شربل هو "الحارس الميتافيزيقي" لهذا الوطن. وربما سيأتي يومٌ يختلف فيه اللبنانيون على كل شيء، لكنهم سيظلون يجتمعون عند ضريحه؛ لأن القداسة لا تعرف طائفة، ولأن السماء حين تختارُ رجلاً، تجعله "وطناً للبشرية جمعاء".

لقد وهبنا اللهُ مار شربل ليكون رسالةً خالدة: أنَّ هذه الأرض، مهما أوجعتها المحن، ستبقى أرضاً مباركة، لأن فيها شمعةً لا تنطفئ في أعالي عنايا، تذكّرنا كلما اشتدَّ الظلام أنَّ اللهَ باقٍ.. وأنَّ لبنان، ببركة قديسيه، باقٍ إلى أبد الآبدين.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment