كتبت الدكتورة علياء إبراهيم
"لا شيء في الحياة يزلزل الإنسان مثل النزلات النفسية، إنها أشد فتكاً به من النزلات الصدرية أو المعوية، وتحدث انفجارات داخلية وتولد اكتئاباً مزمناً". هذا التشبيه الذي خطّه الراحل مفيد فوزي في مقالته (وفي الليالي القمرية كنا نسأله)، لا يقف عند حدود الوصف الأدبي؛ بل هو واقع حي وملموس، يختبره الإنسان في أشد لحظاته انكساراً. فالنزلات النفسية الحادة حين تتغلغل في شغاف الروح، قد تسرق أحياناً القدرة على التعبير؛ فيُسجن الوجع في زاوية صامتة تعجز أمامها الكلمات.
ومن عتمة هذا الصمت والعجز، قد يقرر الإنسان أن يبدأ رحلة تعافٍ من ألم لا يعلمه إلا الله، ولا تشخصه أجهزة الأشعة؛ رحلةٌ لا تلغي مسارات العلاج الطبي، بل تتكامل مع أدوات العلاج المعرفي السلوكي الحديث. وتبدأ هذه الرحلة من المساحة الأكثر حرية فينا؛ من "العلاج بالفن" بممارساته الفطرية البسيطة من شخبطة، أو تلوين، أو تشكيل بالصلصال، أو سماع للموسيقى...........والتي تسبق المنطق لتخرج الوجع من مكمنه، مروراً بـ "العلاج بالكتابة" كأداة لتفكيك الصدمات والأحزان، وحين يعجز الإنسان المُحَمَّل بالانكسارات حتى عن هذا البوح، وتضيق مساحات الإرسال، تصبح "الرواية" بوابته التفاعلية الأكثر رحابة؛ فيها يرى انكساراته خفيةً في حكايات الآخرين، فيخوض عبر التوحد مع أبطالها رحلة مكاشفة ذاتية، مُسقطاً أوجاعه عليهم، ليطفو فوق الألم بوعي جديد.
هذا الأثر الشفائي العجيب للرواية يضعني دائماً أمام تساؤل: هل نحن من نختار الروايات، أم أنها هي التي تترصد خطانا لتجدنا في الوقت المناسب؟
لقد أوقعتني رواية "في بيت المسنات الصغيرات" للأديبة السكندرية نهى عاصم في هذه الحيرة بالذات؛ فما عدتُ أعرف: هل اخترتُ أنا هذا العمل ليبوح لي، أم أنه هو الذي وجَدَني ليثير فيَّ حنين الذكريات؟ فالرواية تدور في فلك عروس البحر—مسقط رأسي، ومستقر روحي، وثنايا حي "كوم الدكة" العتيق الساكن في الوجدان. غير أن الإسكندرية هنا ليست مجرد جغرافيا، بل هي بيئة علاجية مادية؛ يحكي أبناء الساحل لأمواج بحرها ما عجزوا عن بوحه للبشر لغسل أوجاعهم، واسترداد أنفاسهم.
ومن عتبة العنوان: "في بيت المسنات الصغيرات" وتضاده الكامن بين المسنات والصغيرات، نعبر إلى حي (كومة الدكة) حيث بيتٍ يضم نساءً أصابت أرواحهن شيخوخة مبكرة جراء الفقد وصدمات الطفولة والغربة، وحيث تتشابك هوياتهن المتداخلة بين انفتاح البحر وعمق الجذور النوبية. وفي هذا الفضاء العفوي، لا نجد برنامجاً علاجياً متعمداً، بل نرى تعافياً فطرياً ينمو من خلال الرفقة الآمنة وحوار الذاكرة والتاريخ؛ ليتحول هذا المكان الذي يُفترض أن يكون محطة أخيرة، إلى فرصة جديدة لبداية أخرى.
وهنا تتجلى براعة الكاتبة في الانتقال من معالجة الألم الفردي والانكسار الذاتي للبطلات، ليلتقي في نهاية الرواية بالألم الإنساني الأشمل والأعمق في قلب الوطن العربي؛ متجسداً في الصدمة التاريخية اللحظية لمشاهدة أحداث "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، ومأساة غزة المستمرة، لتؤكد الكاتبة أن أوجاعنا الشخصية جزء من أنين إنساني أكبر.
وقد صاغت نهى عاصم في روايتها العلاقة بين القراءة والكتابة باعتبارهما متنفّسين يختلف أحدهما عن الآخر في عمق الأثر، بأسلوب يدعو إلى التأمل بقولها: "أقرأ لأحلق إلى عوالم لا تطأها الأقدام إلا في الأحلام.. أما الكتابة, فهي كفة غير عادلة، تشبه تمثال العدالة معصوب الأعين، لكنها تحمل في طياتها الحقيقة التي لا يمكن للميزان أن يزنها".
ومن هذا الأثر المتبادل للكلمة—مقروءةً ومكتوبةً—تكتسب رواية "زهرة" للمترجمة والكاتبة غادة جاد خصوصيتها الإنسانية؛ فمن واقع مسيرتها كمترجمة—والمترجم في جوهره هو قارئ يملك قدرة استثنائية على الغوص في ثقافات أخرى، وتفكيك النص وإعادة بنائه، والتعمق في النفس البشرية في مجتمعات مختلفة—لمست بوعيها أوجاعاً لا تزال شريحة كبيرة من النساء تعانيها في مجتمعاتنا؛ ومن هنا، جاء نصّها الروائي الأول المكتوب باللغة الإنجليزية ليطرح قضية الاستبداد الزوجي المتستر خلف ستار الدين، صانعةً منه رواية نابضة بالأمل؛ تأخذنا في رحلة للتشافي الذاتي؛ حيث يتتبع القارئ تحولاً درامياً مثيراً لـ (زهرة) بطلة الرواية؛ من فتاة مفعمة بالطفولة، والطموح، والرومانسية، إلى زوجة تُعزل عن العالم ويتم وأد روحها تحت وطأة مفاهيم دينية مغلوطة فرضها زوجٌ حوّل حياتها إلى سلسلة من القيود، وحصار كاد يخنق أنفاسها حتى تلاشت هويتها وتأرجحت بين الأمل والانكسار لتصبح ظلاً لنفسها.
ووسط هذا العجز والحصار، لا تستسلم (زهرة)؛ بل تنتزع قوتها الكامنة من جديد، متخذة من القراءة والمعرفة والحوار الداخلي أسلحة سرية لإعادة بناء وعيها المنهك وترميم ذاتها من الداخل؛ مؤكدة أن القيود لا تصنع سجناً أبدياً ما دامت الروح تملك الشجاعة لتستعيد حياتها وحريتها، وأن منحة الحياة تتطلب مواجهة عارية لاسترداد الذات الضائعة.
ومن هذا التشافي الذاتي في رواية غادة جاد، نصل إلى أقصى درجات المواجهة الفردية في رواية "طي الألم" للأديبة هالة البدري؛ حيث يتجاوز الأدب هنا مساحات التلقي بالقراءة، ليتحول فعل الكتابة كلياً إلى ما يشبه "المختبر النفسي والمشرط الجراحي". هنا تعيش بطلة الرواية دوامة الفقد العنيف لرفيق دربها، وتنخرط بكامل وعيها في رحلة تشريح لآلياتها الدفاعية؛ تتأرجح بين كبت الحزن الحارق لحماية أبنائها، وتبرير الفاجعة بأن الراحل استراح من ويلات المرض، والإنكار الشجاع الذي يواجه غياب الزوج بوعي حاد لكنه يحتمي بانتظارٍ واهم لعودته من السفر، والتحدث عنه بصيغة المضارع والالتصاق بأشيائه اليومية.
لم تكن الكتابة للبطلة ترفاً جمالياً، بل تداعياً حراً ونبشاً في جراح غائرة فجرته خلوة الثلاثة أسابيع في قصر (لافيني) بسويسرا؛ اختبرت فيه دور المريضة والمعالِجة معاً ليفجر هذا البركان الكامن طاقته على الورق، صانعةً من تداخل الأزمنة والأمكنة والشخوص لوحة فسيفساء بديعة تُعلم القارئ "فقه التقبل"؛ وتثبت أن النجاة تبدأ لحظة تحويل الفقد إلى قوة لتصل في النهاية إلى طي ألم الفراق، وطي الأمل في العودة الجسدية لزوجها، ولتفتح مساحة للخلود الروحي للراحل كنسيج حي يشاركها خلاياها، لتكتشف في النهاية أنها كانت تنتظره بلا أمل، وهي تعرف يقيناً أنه غير عائد.
وكأن وجع الإنسان بعد كل هذه المواجهات الذاتية، يملك شفرة تعافٍ رئيسية أساسها البوح؛ الذي نراه متجسداً بوضوح في نموذج لافت من أدب أمريكا اللاتينية؛ رواية "عشر نساء" للأديبة التشيلية مارثيلا سيرانو. تأخذنا الرواية إلى دهاليز عيادة نفسية تقودها الطبيبة (ناتاشا)، عبر برنامج علاج جماعي يضم تسع نساء يجمعهن بلد واحد وتفرقهن الثقافات والخلفيات؛ جئن إلى العيادة ليحكين مآسيهن بيقين متأخر بأن الكلام أول خطوات العلاج، وأن التواري خلف جدران الخوف والكبت لا يورث النفس إلا مزيداً من القهر والأوجاع المتراكمة.
وفي هذا الفضاء، تتسع المآسي الفردية للنساء على تنوعها واختلافها لتشتبك بما هو أكبر كلياً؛ بمأساة فلسطين التي فجّرتها (ليلى)، الفتاة ذات الجذور الفلسطينية، والتي يمتزج في حكايتها انكسار الجسد الذاتي بأنين الوطن المحتل.
كان لكل واحدة من النساء التسع وجعها الخاص ولكنهن تشاركن الألم؛ ليكتشف القارئ أن قوة التعافي تنبت من المشاركة الوجدانية. لتكتمل هذه الرحلة العلاجية الجماعية بمفارقة يكتشفها القارئ مع نهاية الرواية؛ حين يدرك أن الطبيبة هي السيدة العاشرة التي تحمل جرحاً دفيناً يتوارى خلف قناع مهنتها؛ ليتجلى أمام القارئ حقيقة "المعالج الجريح" الذي يتألم مثلنا، ونتأكد جميعاً أن النجاة الحقيقية تبدأ لحظة تحرير الكلمات من أسر الصمت؛ فنحن لا نروي حكاياتنا ومآسينا للفضفضة فحسب، بل لنبقى على قيد الحياة.
هكذا، تتضافر هذه الرؤى الإبداعية لتقدم دليلاً حياً على أن الرواية ليست إبداعاً سردياً فحسب؛ بل هي عوالم علاجية موازية. فبين 'الصحبة الدافئة' والحكي العفوي الذي غسل أوجاع (المسنات الصغيرات) في فضائهن الآمن، 'والتشافي الذاتي' الذي حرر (زهرة) من سجنها، و'القلم الذي كان بمثابة المشرط الجراحي' الذي شقّت به بطلة (طي الألم) عن أوجاع الفقد، وانتقالاً إلى 'المشاركة الوجدانية' التي حررت نساء سيرانو من أسر الصمت؛ نكتشف أن كل رواية قد صاغت روشتتها الخاصة؛ لتبدو الرواية في النهاية—في ظل برامج القراءة الموجّهة أو (البيبلوثيرابي)—ملاذاً آمناً، وطوق نجاة، وباعثاً للأمل في نفوسٍ تبحث عن ذواتها.
وبالرغم من أن جولتي هذه قد طافت في فضاء نصوصٍ كُتبت بأقلام نساء وبطلاتها نساء، فلم يكن هدفي من هذا الانتقاء أبداً الانحيازُ لجنسٍ دون آخر، فالألم لغة كونيّة لا تميز بين البشر على أساس جنس أو لون. وإن تسيّدت النساءُ بطولةَ هذه النصوص، فإنني أرى أن البطل الحقيقي الكامن خلفها هو 'رحلة التعافي ذاتها' التي خاضتها كل بطلة من بطلات الإبداعات الأربعة؛ تلك المغامرة النبيلة التي يتعلم الإنسان في منعطفاتها فقه التخلي عن الألم حتى لا يصير جزءاً منه، ويصير هو ضحية لكتمانه، ليفسح مكاناً في روحه لكل ما—ومَن—يستحق أن يكمل معها هذه الحياة.










07/19/2026 - 16:26 PM





Comments