مار إلياس، مار شربل، ومار إلياس بطرس الحوّيك

07/17/2026 - 07:44 AM

A

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

"«فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلامَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا". (رومية 8: 18)

إنّ الأحداثَ تتسارعُ والتحدّياتِ تتزاحمُ لتنهالَ على شعبِنا من الدّاخلِ والخارجِ، فتدفعني دائمًا إلى العبورِ نحو المرافعةِ العلنيّةِ، وإلى الدّفاع ِ بالقلمِ والصلاةِ عن رسالةِلبنان ورسالةِ شعبِنا، تلك الرّسالةُ التي أُلقيتْ على عاتقِه، رسالةُ الرّجاءِ العظيمِ؛ رجاءٍ لا يقومُ على التمنّي، بل على الثباتِ والصمودِ، وعلى التضحيةِ والفداءِ، بالشّهادةِالبيضاءَ أو ببذلِ الرّوحِ.

بكلّ وضوح ٍ، أحبّ أن أخطّ هذه السطورَ، وأن أناديَ عبر "بيروت تايمز" لأصلَ إلى الطيّبين في بلادي، إلى الصّامدين في الجنوبِ وفي قرانا، وإلى العائلاتِ المقدّسة، في الكنيسةِ وخارجِها.

عندما تسمعُ بطريركًا شجاعًا يُعلن، من قلبِ المعاناةِوالصراعاتِ التي عاشها لبنان قبل الحربِ العالميّةِ، أوِالاقليميةِ، أوِ الطائفيةِ، وحتّى منذُ أحداثِ سنة 1860، قولَه الخالدَ: «طائفتي هي لبنان»، تُدرك أنّ هذا الرّجلَ لم يكن ينطقُ بشعارٍ، بل كانَ يحملُ رسالةً.

لقد عاشَ الضغوطَ والاضطهاداتِ التي تُشبه ما نعيشُه اليومَ، وربّما كانتْ أشدّ قسوةً، ومعَ ذلك لم يتراجعْ عن بناءِلبنانَ الهويّةِ المقدّسةِ، ذلك الوطنُ الذي ورد اسمُه في الكتابِ المقدّسِ أكثرَ من سبعينَ مرّةً.

إنّه الطوباويّ البطريركُ مار إلياس بطرس الحويّك، ابنُالكنيسةِ الرّسوليّةِ التي أسّسها الرّبُ على صخرةِ الإيمانِحين قال لبطرس: «أنتَ الصّخرةُ، وعلى هذهِ الصخرةِ أبني كنيستي.»

وهو أيضًا يحملُ روحَ النبيّ إيليا، الذي عادَ إلى أرضِلبنان، إلى صرفةِ صيدا، فأقامَ ابنَ الأرملةِ، وأكثرَ دقيقَها وزيتَها، وعاشَ الاضطهادَ من أبناءِ شعبِه ومنَ الملوكِ، حتّى سارَ في البرّيةِ، وضعفَ ويئسَ، وطلبَ الموتَ، لكنّ اللهَ لم يتركْه، بل جدّدَ رسالتَه وأعادَ إليهِ الرّجاءَ.

وهو البطريركُ الذي قرعَ أبوابَ السّماءِ والفاتيكان بإيمانٍ لا يلينُ، ساعيًا إلى إعلانِ قداسةِ مار شربل، سفيرِ اللهِ من أرضِ لبنان إلى العالمِ كلّه. واليومَ تشهدُ آلافُ العجائبِوالشفاءاتِ، القادمةُ من مختلفِ الشعوبِ والدّياناتِ، على قداسةِ ذلك الناسكِ الذي جعل من لبنانَ منارةً للقداسةِ.

ما أجملَ القاسمَ المشتركِ بين مار إلياس النبيّ والقدّيس شربل، والطوباويّ البطريرك الحويّك، وسائرِ أبطال الرّوح. لقد جمعَهم حبّ الله، وحبّ لبنان، والإيمانُ بأنّ رسالةَ هذا الوطنِ أكبرُ من حدودِه.

واليومَ، لبنان بأمسِّ الحاجةِ إلى هذا الإيمانِ.

إلى جانبِ محبّتِنا للبنان، التي يجب أن تسموَ فوق كلّطائفةٍ، وكلّ حزبٍ، وكلّ انقسامٍ، علينا أنْ نحافظَ على محبّتِنا لمريم، أمِّ يسوع المسيح، سيّدةِ لبنان، أمِّ النِّعَمِوالمراحمِ.

فلنصلِّ بمحبةٍ عميقةٍ، ولننتظرْ برجاءٍ ثابتٍ لا يعرفُ اليأسَولا الاستسلامَ ولا الكفرَ بلبنان أو بالذاتِ.

فلنرفعْ أنظارَنا إلى العلاءِ، إلى بحرِ الحبّ الإلهيّ.

كما فعل النبيّ إيليّا على جبلِ الكرمل، حين رفع عينيْه نحو السّماءِ منتظرًا الغيمةَ البيضاءَ الصّغيرةَ التي بشّرتْ بالمطرِوالحياةِ؛ وكما فعلَ القدّيسُ شربل على قممِ عنايا، رافعًا قلبَه إلى الله؛ وكما فعلَ الطوباوي البطريرك الحويّك عندما شيّدَمزارَ سيّدةِ لبنان في حريصا، ليعلّم اللبنانيين أن يرفعوا أنظارَهم إلى العلاء، إلى سلطانةِ الجبالِ والبحارِ، وإلى أمّالرّجاءِ.

أدعوكم جميعًا، يا أبناءَ وطني في لبنان وفي بلادِ الانتشارِ،إلى أن تترفّعوا عنِ المصالح ِ الضيّقةِ، وأن تقتربوا من جنائن القدّيسين، ومن الإرثِ المريميّ اللبنانيّ، لأن خلاصَالأوطانِ يبدأُ دائمًا بقداسةِ أبنائِها.

وماذا بعدُ؟

«معونتي من عندِ الرّبِ، صانع ِ السّماءِ والأرضِ.» (مزمور 121)

إلى متى سنبقى غرباءَ عن لغةِ السّماءِ، وعن لغةِ الحبّالإلهيّ؟

يا شعبيَ الكريمَ، إلى متى نتأخرُ في قراءةِ علاماتِالأزمنةِ؟

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment