مسعود معلوف *
خلفية الإتفاق
في اليوم التالي لعملية حماس في السابع من أوكتوبر 2023 والرد العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، أعلن حزب الله مساندته للفلسطينيين عبر قصف مناطق في شمال إسرائيل، فردت هذه الأخيرة بحملة عسكرية قوية دامت حوالى سنة وانتهت باتفاق لوقف العمليات العدائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية وفرنسية وبموافقة حزب الله في 27 نوفمبر 2024.
في التاسع من يناير 2025، تم انتخاب الجنرال جوزاف عون رئيساً للجمهورية وفي خطاب القسم، تحدث الرئيس المنتخب بوضوح عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وأن يكون قرار الحرب والسلم من مسؤولية الحكومة وحدها. وبعد تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور نواف سلام، تبنت الحكومة الجديدة في بيانها الوزاري المبدأ نفسه وحصلت على ثقة المجلس النيابي، فأصبح هذا المبدأ من الأمور التي ينبغي على الحكومة تطبيقها.
لقد احترم حزب الله اتفاق وقف العمليات العسكرية الموقع في نوفمبر 2024 بينما إسرائيل خرقته آلاف المرات عبر اغتيال قيادات من الحزب وقصف مناطق لبنانية وتدمير بنى تحتية الى أن بدأت الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران ومقتل الولي الفقيه آية الله علي خامنئي في 28 شباط/فبراير 2026، فقام الحزب بقصف شمال إسرائيل بعدد من الصواريخ موضحاً ان هذه العملية هي انتقام لمقتل الخامنئي، فبدأت عندئذ أسرائيل بعملية عسكرية واسعة النطاق أدت الى تهجير أكثر من مليون مواطن من الجنوب اللبناني، وتدمير قرى بكاملها، واحتلال مناطق جنوبية وصولاً الى إقامة ما سمته "منطقة عازلة" داخل الأراضي اللبنانية تدعي ان الغاية منها هي حماية المستوطنات في شمال إسرائيل من حزب الله. كما أنها دمرت قسماً لا بأس به من الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت التي للحزب وجود واضح فيها.
منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية ونظراً لعدم تمكن حزب الله أوالجيش اللبناني من إيقاف الزحف الإسرائيلي، أعلن الرئيس جوزف عون استعداد لبنان للتفاوض مع إسرائيل كبديل عن استمرار تقدمها وتدميرها للقرى وتهجيرها للسكان، وقد صادف ذلك مع سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للخروج من المأزق الذي وقع فيه في حربه على إيران وما أدى ذلك الى ارتفاع في أسعار الطاقة عالميا بعد إقفال مضيق هرمز من قبل إيران، وارتفاع نسبة المعارضين للحرب في الداخل الأميركي الى أكثر من ثلثي الشعب مع اقتراب الإنتخابات التشريعية النصفية، فوجد ترامب نفسه مضطرا للضغط على إسرائيل لإيقاف حربها على لبنان إذ كانت إيران تشترط بقوة أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان أيضاً.
عُقِدت عندئذ خمس جولات من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية وحضور أميركي تم التوصل بنهايتها الى الإتفاق الإطاري.
بنود الإتفاق
- إنهاء حالة الحرب بين البلدين عبر مفاوضات مباشرة برعاية أميركية وصولا الى الإعتراف المتبادل بحق كل دولة في العيش بسلام.
- إنسحاب إسرائيل تدريجيا من لبنان مقابل سيطرة الجيش اللبناني ونزع السلاح من الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.
- يتولى الجيش اللبناني الأمن بصورة تدريجية مع إعادة الإعمار وعودة السكان بعد استقرار الأوضاع.
- إلتزام لبنان بنزع سلاح الجماعات المسلحة عبر تحديد مناطق تجريبية يستلمها الجيش اللبناني تباعاً، وكلما تم التأكد من انسحاب العناصر المسلحة غير الحكومية من منطقة، يتم الإنتقال الى منطقة أخرى الى أن يتحقق استلام الجيش كامل الأراضي الجنوبية.
- إسرائيل تؤكد ان انسحابها مرتبط بزوال تهديد الجماعات المسلحة وتؤكد عدم وجود أطماع لديها باحتلال أراضٍ لبنانية.
- التأكيد ان الجيش اللبناني هو وحده المسؤول عن الدفاع، والحكومة اللبنانية وحدها مخولة بإعلان الحرب والسلم.
- يتم إنشاء فريق تنسيق عسكري برعاية أميركية مع احتفاظ الطرفين بحق الدفاع عن النفس.
- إعادة إعمار المناطق المدمرة وضمان أمن الجنوب اللبناني وشمال إسرائيل.
- يتم دعم الجيش اللبناني أميركيا مع ربط المساعدات الأميركية بتنفيذ لبنان خطوات ملموسة في نزع السلاح وبسط سلطة الدولة.
- تلتزم الولايات المتحدة بحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده.
- إيقاف تمويل الجماعات المسلحة عبر منع وصول الأموال اليها.
- تشكيل فريق عمل للإعداد لاتفاق سلام شامل بين البلدين.
- وقف الأعمال العدائية والتعاون في ملف الأسرى والمعتقلين ورفات الضحايا.
- الإقرار بالدور الأميركي في رعاية الاتفاق ودعم جهود السلام بين البلدين.
لا بد من التوضيح بأن هذا الإتفاق الإطاري هو بمثابة إعلان مبادئ عامة وليس معاهدة موافق عليها من الفريقين، والعبرة ستكون في التطبيق سواء فيما يتعلق باستلام الجيش التدريجي للمناطق وبالإنسحاب الإسرائيلي منها، أو بالتوصل الى توافق على البنود التي ينبغي التفاوض بشأنها لاحقاً. هذا مع العلم أن إسرائيل، كعادتها، تخرق هذا الإتفاق الإطاري يومياً عبر قيامها بتدمير منشآت ومساكن وقصف مناطق تدعي أن فيها مقاتلين من الحزب.
لقد وصل الفريق العسكري الأميركي الذي سيراقب التطورات على الأرض في المناطق التجريبية، وسنرى في الأيام القليلة القادمة إن كانت إسرائيل ستنسحب فعلاً من الأماكن التي يؤكد الفريق العسكري الأميركي أن الجيش اللبناني يسيطر عليها ولا وجود فيها لجماعات مسلحة خارج إطار الدولة.
هذا الإتفاق الإطاري يتعرض لتحديات كبرى: أولاً إن حزب الله يرفض ليس الإتفاق برمته فحسب، بل حتى مبدأ التفاوض مع إسرائيل وهو يتهم السلطات اللبنانية بالخضوع للرغبات الإسرائيلية ولا يتردد في وصف هذه القيادات بالمتصهينة، وقد أعلن أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم بوضوح وإصرار ان الحزب لن يسمح لهذا الإتفاق أن يُطَبَق.
التحدي الآخر يأتي من الجانب الإسرائيلي الذي يخرق الإتفاق باستمرار وهذا ما يعطي حزب الله الحجة لانتقاد الحكومة على قبولها بالجلوس مع الإسرائيليين وبالموافقة على اتفاق لا يحترمه الفريق الآخر وهذا ما يُضعف موقف الحكومة اللبنانية التي لا ترى مخرجاً آخر لهذه الظروف، وهي تعتبر التفاوض أقل الشرين إذ أن الحزب لم يتمكن من الوقوف في وجه إسرائيل عسكرياً فلم يبق أمام الدولة إلا التفاوض برعاية أميركية.
وفي الأيام القليلة الماضية، طرأ التحدي الثالث المتمثل بما يحصل في مضيق هرمز حيث عادت الأمور الى ما كانت عليه قبل توقيع "مذكرة التفاهم" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والعمليات العسكرية عادت بين الطرفين، ومن شأن ذلك أن يؤثر على ما يحصل في الجنوب اللبناني إذ من غير المستبعد أن يستغل نتنياهو هذه الظروف المستجدة ليقوم من جديد باعتداءات عسكرية واسعة النطاق، وقد سمعنا الوزراء المتشددين في حكومته وكذلك وزير الحرب اسرائيل كاتس يعلنون بوضوح تام الرغبة بالسيطرة الكاملة على الجنوب اللبناني وعدم السماح للمواطنين اللبنانيين بالعودة الى بلداتهم.
لبنان واقع الآن في مأزق كبير، فمن جهة لا يستطيع إيقاع هزيمة عسكرية بالجيش الإسرائيلي وإخراجه بالقوة من الأراضي اللبنانية، ومن جهة ثانية إسرائيل تستمر بخرق الإتفاق الإطاري الذي كان يأمل منه لبنان تحرير أراضيه وعودة السكان وإعادة إعمار الجنوب، وهو الآن يعول على الزيارة التي من المرتقب ان يجريها الرئيس جوزاف عون الى واشنطن واجتماعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، آملاً أن يضغط ترامب على إسرائيل كي تطبق الإتفاق الإطاري وتنسحب تدريجياً من لبنان.
هنالك أيضاً اجتماعات تعقد في روما بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في الرابع عشر والخامس عشر من الشهر الجاري في جولة سادسة من المفاوضات برعاية أميركية، وما سينتج عن هذا الإجتماع قد يكون مؤشراً لما ستؤول إليه الأمور في المستقبل القريب.
يبقى أن الوضع ليس مشجعاً بالنسبة الى لبنان. فالأمور متوقفة على ما سيحصل على الجبهة الأميركية الإيرانية، وعلى ما سيفعله نتنياهو الذي يحاول أن يظهر أمام الإسرائيليين بأنه يحميهم على عدة جبهات وخاصة الجبهة اللبنانية، وذلك في سبيل كسب أصواتهم في الإنتخابات التشريعية التي ستجري في السابع والعشرين من شهر أوكتوبر القادم، إذ أنه في حال فشل حزبه وعدم عودته الى رئاسة الحكومة فمن المحتمل دخوله السجن بسبب المحاكمات الجارية بحقه بتهم الفساد، والأمور متوقفة أيضاً على ما سيفعله حزب الله في حال قام بقصف شمال إسرائيل دعماً لإيران في هذه الحرب المتجددة، وهذا ما سيعطي نتنياهو عذراً للقيام بعمليات عسكرية مدمرة للبنان. ولقاء كل ذلك، يعتبر معظم اللبنانيين أن المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية تبقى الطريق الأقل خطورة على لبنان.
* سفير لبناني متقاعد











07/17/2026 - 07:38 AM





Comments