رشيد ج. مينا
تحدثنا في مقال سابق عن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، وعن التساؤلات المطروحة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات، أم أنها ما تزال تدور في إطار إدارة الأزمات وإعادة إنتاجها بما يخدم مصالح القوى المنخرطة فيها. وإذا كان هذا السؤال ينسحب على مجمل المنطقة، فإنه يكتسب في لبنان أهمية استثنائية في ظل التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها اليوم.
فهل ما يجري يعكس فعلًا تحركًا أمريكيًا جادًا يهدف إلى مساعدة لبنان على الخروج من أزماته المتراكمة واستعادة استقراره وسيادته، أم أننا أمام محطة جديدة تندرج ضمن النهج الأمريكي الذي حكم سياساته في المنطقة طوال العقود الماضية؟
إنه تساؤل مشروع وفي محله، لأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ نكبة فلسطين عام 1948 وما رافقها من قيام دولة إسرائيل وتشريد الشعب الفلسطيني، ارتبطت في نظر كثيرين بدعم استراتيجي ثابت لأمن إسرائيل ومصالحها، أكثر مما ارتبطت بإيجاد حلول عادلة ومستدامة تحفظ حقوق شعوب المنطقة. ومن الطبيعي، في ضوء هذه التجربة، أن يتساءل اللبنانيون عما إذا كانت المرحلة الراهنة تمثل تحولًا حقيقيًا في هذه السياسة، أم أنها استمرار لها بأدوات وعناوين مختلفة.
وللإجابة عن هذا التساؤل، لا يكفي النظر إلى ما يجري اليوم بمعزل عن الماضي، بل لا بد من العودة إلى مسار السياسة الأمريكية في لبنان والمنطقة، لأن قراءة الحاضر تظل ناقصة إذا انفصلت عن التجربة التاريخية التي سبقته.
فالتجارب اللبنانية مع الولايات المتحدة لم تحمل، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، ما يشير إلى سياسة هدفت إلى بناء دولة لبنانية مستقلة وقادرة. فمنذ مرحلة الأحلاف الإقليمية وحلف بغداد، مرورًا بالاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما أعقبه من وجود قوات المارينز، ثم القبول بالدور السوري ونفوذه الواسع في لبنان، والتلكؤ في استكمال تنفيذ اتفاق الطائف بما يؤدي إلى قيام دولة قوية، وغض الطرف لسنوات طويلة عن تنامي النفوذ الإيراني وبناء أذرعه العسكرية، وفي مقدمتها حزب الله الذي تحول إلى قوة عسكرية وتنظيمية موازية للدولة تحت شعار المقاومة ومواجهة إسرائيل ونصرة فلسطين، وصولًا إلى المرحلة الراهنة، كلها محطات تجعل هذا التساؤل قائمًا ومبررًا.
واليوم يقف لبنان أمام تجربة جديدة تتمثل في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية كاملة، في أعقاب حرب مدمرة، وتوسع للاحتلال الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب اللبناني، وفرض ما يسمى بالحزام الأمني، في إطار نهج إسرائيلي يقوم على إنشاء مناطق عازلة خارج حدوده باعتبارها جزءًا من عقيدته الأمنية، وهو نهج يتجلى أيضًا في قطاع غزة وجنوب سوريا.
وبعد جولات من المفاوضات، جرى التوصل إلى ما عُرف باتفاق الإطار، الذي أسس لاستكمالها والانتقال إلى البحث في القضايا التنفيذية. وقد أحدث هذا المسار انقسامًا بين اللبنانيين؛ فمنهم من يراه فرصة تاريخية لتحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة، واستعادة السيادة الكاملة، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي وترسيخ الأمن والاستقرار المستدام. وفي المقابل، يتوجس آخرون من نتائجه، انطلاقًا من التجارب السابقة مع السياسة الأمريكية في المنطقة، ويخشون أن يبقى ضمن إطار إدارة الأزمة لا معالجتها جذريًا، وأن يرتبط مستقبل لبنان بموازين القوى ونتائج الصراعات الإقليمية والدولية أكثر مما يرتبط بإرادة اللبنانيين ومصلحتهم الوطنية.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يقف لبنان فعلًا أمام فرصة تاريخية للخروج من النفق الذي دخله منذ عقود، أم أننا أمام محطة جديدة تتغير فيها الأدوات والعناوين بينما يبقى جوهر السياسات على حاله؟
مهما كانت الإجابة، فإن التجارب علمتنا أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى على الرهانات الخارجية وحدها، ولا على انتظار تبدل سياسات الدول أو توافق مصالحها، بل يبدأ أولًا من الداخل، عبر بناء دولة قوية، سيدة، عادلة، تحتكر وحدها قرار السلم والحرب، وتبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتعيد الاعتبار للدستور والقانون والمؤسسات.
فالطريق الحقيقي إلى الاستقرار لا يمر عبر الارتهان للمحاور، ولا عبر انتظار ما ستسفر عنه موازين القوى الإقليمية والدولية، بل عبر تحرر اللبنانيين من التبعيات السياسية، وتعزيز وحدتهم الوطنية، واعتماد الحوار سبيلًا لمعالجة خلافاتهم، على أن ينطلق من المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، لا من الحسابات الطائفية أو المذهبية أو المصالح الشخصية الضيقة، وترسيخ انتمائهم إلى وطنهم وإلى عمقهم العربي، هويةً وتاريخًا وانتماءً. عندها فقط، يصبح لبنان قادرًا على تحويل أي فرصة خارجية إلى مكسب وطني، بدل أن يبقى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين وصراعاتهم.











07/17/2026 - 06:55 AM





Comments