د. علي جزائري
ليس كل ما ينتهي يُعلن موته، فبعض العصور تموت ببطء، بينما يواصل أصحابها التصرف وكأن الزمن لم يتغير. وهكذا يبدو حال الشرق الأوسط اليوم. فمنذ أكثر من مئة عام، لم تكن القوة في المنطقة بنت صناديق الاقتراع، ولا نتاجاً لإرادة الشعوب، بل كانت ثمرة معادلة بسيطة وقاسية: أقلية تمتلك الجيش، وأكثرية تُطالب بالصبر. أقلية تحتكر السلاح، وأكثرية تدفع ثمن الحروب. أقلية تمسك بالمفاصل، وأكثرية تُستدعى فقط للتصفيق أو للقتال أو لدفع الضرائب.
لم يكن السؤال يوماً: من يمثل الشعب؟ بل: من يسيطر على الثكنات، ومن يحظى برضا العواصم الكبرى؟
منذ اتفاقية سايكس-بيكو، لم يكن هدف القوى الاستعمارية إنشاء دول وطنية بقدر ما كان إنشاء كيانات قابلة للإدارة والسيطرة. وكانت الوصفة جاهزة: سلطة ضيقة تعتمد على الأمن أكثر مما تعتمد على المجتمع، وعلى الولاء أكثر مما تعتمد على الكفاءة، وعلى الخوف أكثر مما تعتمد على الشرعية.
وهكذا وُلدت الدولة الأمنية. في هذه الدولة، يصبح المواطن مشروع مشتبه به، ويصبح الجيش حارس النظام قبل أن يكون حارس الحدود، وتتحول الأجهزة الأمنية إلى اللاعب الأول في الاقتصاد والسياسة والقضاء والإعلام. ومع مرور العقود، لم تعد السلطة تمثل المجتمع، بل أصبحت تخشاه.
ولعل التجربة السورية كانت المثال الأوضح على هذا النموذج؛ إذ تركزت السلطة الفعلية لعقود داخل بنية أمنية وعسكرية محددة، بينما بقيت مؤسسات الدولة تعمل تحت سقفها. وعندما انفجرت الأزمة، لم يعد الصراع سياسياً فقط، بل تحول إلى معركة وجود لأن النظام ربط مصيره بمصير جماعة، وربط الجماعة بمصيره، وهي أخطر معادلة يمكن أن تُبنى عليها دولة. وفي العراق، لم يكن سقوط نظام صدام حسين مجرد تغيير لرئيس أو حزب، بل كان انهياراً كاملاً لتوازن حكم، ليحل مكانه نظام محاصصة طائفية أثبت أن انتقال السلطة من نخبة إلى أخرى لا يصنع دولة إذا بقيت الهوية الطائفية هي أساس توزيع النفوذ.
أما لبنان، فهو المختبر الأكثر تعقيداً. فلا أحد يحكم منفرداً دستورياً، لكن ميزان القوة كثيراً ما تجاوز ميزان الدستور. وعندما يصبح امتلاك السلاح أو النفوذ الخارجي قادراً على تعديل موازين المؤسسات، تدخل الدولة في أزمة مزمنة، لأن شرعية القانون تتراجع أمام شرعية القوة. غير أن ما يتغير اليوم ليس فقط موازين القوى العسكرية، بل البيئة التي سمحت باستمرار هذا النموذج.
إيران تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، وروسيا استنزفتها حرب أوكرانيا، والولايات المتحدة لم تعد راغبة في إدارة الشرق الأوسط بالطريقة التي فعلتها بعد الحرب الباردة، بينما أصبحت إسرائيل نفسها تواجه تحديات أمنية وسياسية عميقة بعد سنوات من الحروب والتوترات الداخلية. وفي الوقت نفسه، لم تعد الشعوب كما كانت.
لم يعد بالإمكان احتكار الرواية في عصر الهاتف المحمول. ولم يعد ممكناً بناء الشرعية على الخوف وحده. ولم يعد الاقتصاد يسمح بتمويل أجهزة متضخمة فيما المجتمعات تغرق في الفقر والبطالة والهجرة. لكن الخطأ سيكون الاعتقاد أن المستقبل أصبح حكماً للأكثرية العددية. فالديمقراطية ليست ديكتاتورية الأغلبية، كما أن الاستبداد ليس حكراً على الأقليات.
كم من أكثرية مارست الإقصاء عندما وصلت إلى السلطة، وكم من أقلية حكمت بعدالة عندما احتكمت إلى القانون. القضية ليست في عدد من يحكم، بل في طبيعة النظام الذي يحكم. فالسلطة التي تحتاج دائماً إلى الخوف كي تبقى، هي سلطة تعرف في قرارة نفسها أنها فقدت شرعيتها. والدولة التي تخشى شعبها أكثر مما تخشى أعداءها، هي دولة دخلت مرحلة الشيخوخة السياسية مهما بلغت قوتها العسكرية.
لقد أثبت القرن الماضي أن الأنظمة التي تبني بقاءها على العصبية أو الامتيازات أو الاحتكار، قد تعيش طويلاً، لكنها لا تؤسس لاستقرار دائم. فكلما ضاقت دائرة السلطة، اتسعت دائرة الغضب، وكلما ازداد الاعتماد على القوة، تراجعت القدرة على إنتاج الشرعية. ربما لم ينتهِ عصر حكم الأقليات بالكامل، لكنه بالتأكيد فقد شروط بقائه القديمة.
فالقرن الحادي والعشرون لا يطيح بالأنظمة لأنها أقليات، بل لأنه يطيح بكل نظام يرفض التحول إلى دولة مؤسسات. والشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق تاريخي: إما الانتقال من دولة الطائفة إلى دولة المواطنة، ومن شرعية السلاح إلى شرعية الدستور، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للقانون؛ وإما البقاء أسيراً لدورات متكررة من الانهيار، تتبدل فيها أسماء الحكام وتبقى أسباب الأزمات على حالها.
إن التاريخ لا يرحم من يعتقد أن القوة أبدية، ولا يحفظ مكاناً لمن يظن أن بإمكان أقلية أو أكثرية أن تحتكر الوطن إلى الأبد. فالأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة. ولا تُحمى بالخوف، بل بالعدالة. ولا تستمر بالهيمنة، بل بالشرعية











07/15/2026 - 17:47 PM





Comments