كارين القسيس *
أنا شخصياً لا يعنيني الاصطفاف خلف إسرائيل، أو الولايات المتحدة الأميركيّة، أو فرنسا، أو إيران، أو سوريا، أو تركيا أو أي دولة أخرى. ما يعنيني، بصفتي مواطنة لبنانيّة، هو أداء النواب الذين منحناهم ثقتنا وأصواتنا. ماذا قدّموا لمجتمعهم؟ وما الذي أنجزوه للناس الذين أوصلوهم إلى ساحة النجمة؟
منذ سنوات طويلة، لا نسمع سوى خطابات مستهلكة، استنفدت كل ما فيها من شعارات، ولم تعد تُقنع أحداً. كلام يُعاد إنتاجه في كل وليمة عشاء أو عند افتتاح مركز جديد، فيما الواقع يزداد انهياراً، والمجتمع المسيحي يزداد يأساً، والشباب يهاجرون تباعاً.
أين القيادات المسيحية اليوم؟ وأين حضورها السياسي والفكري؟ وأين خطابها تجاه مجتمعها؟ وأين رؤيتها لمستقبل الجيل الذي يُغادر هذا البلد يوماً بعد يوم؟ هل سمع أحد منهم مشروعاً متكاملاً، أو مبادرة جدية، أو حتى مصارحة صادقة بحجم الكارثة؟ أم أنّ دورهم يقتصر فقط على إدارة المشهد الانتخابي وانتظار الاستحقاق المقبل؟
كيف يُنتظر من جيل بأكمله أن يجدّد ثقته بقيادات لا تتذكّره إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، فتخاطبه بخطابات إنشائية وشعارات شعبوية، وتحيطه بالمظاهر الاحتفالية والاستعراضات الإعلامية التي سرعان ما تتلاشى بانتهاء صناديق الاقتراع، لتعود القضايا المصيرية إلى دائرة الإهمال والصمت؟
تقع على عاتق المجتمع المسيحي مسؤوليّة تاريخيّة تتمثل في كسر ثقافة الولاء الأعمى، واستعادة قيمة المساءلة بوصفها الركيزة الأولى لأي حياة سياسيّة سليمة، فنحن لسنا بحاجة إلى من يعبّد لنا الطريق قبيل الانتخابات لاستعراض إنجازات مؤقتة وشراء ثقة الناس بالمظاهر، ولا من يتذكّر مآتمنا وأعراسنا عندما يحتاج إلى مشهد انتخابي أو رصيد شعبي! نريد قائداً حاضراً ، لا زائراً موسمياً يظهر عند صناديق الاقتراع ويختفي بعد إغلاقها.
بقاء الجيل الجديد في لبنان، ولا سيّما الجيل المسيحي، لن يتحقق على يد قياداته الحالية (للأسف) التي لم تعد تملك القدرة على إقناعه بالبقاء، ولا على منحه مشروعاً واضحاً أو أفقاً حقيقياً للمستقبل. فالواقع أثبت أنّ الاكتفاء بالشعارات والخطابات "ما بقى بيقطع على حدا"، وأنّ زمن التبعية قد انتهى.
تغيير واقعنا يبدأ من كل أسرة، ومن كل شابة وشاب. لذلك، لا بدّ من بروز شخصيات تمتلك الكفاءة والثقافة والرؤية، قادرة على منافسة الأحزاب المسيحيّة التقليدية من خلال برامج حقيقيّة وواقعيّة، لا بهدف إلغائها أو إقصائها، بل لمنافستها بطريقة جادّة علّها تدفعها إلى إعادة النظر في أدائها، والتوقف عن التعامل مع المجتمع المسيحي وكأنّه تحصيل حاصل، أو كتلة انتخابيّة مضمونة، أو ورقة محفوظة في جيب هذا الطرف أو ذاك.
* كارين القسيس، تُعدّ من الأسماء المعروفة في الساحة الإعلامية اللبنانية، خصوصاً في مجال المتابعة الاجتماعية والثقافية والسياسية. وتمتاز بحضور هادئ ورصين، وبخطاب مهني يركّز على احترام المتلقي وإيصال الرسالة بوضوح، بعيداً عن المبالغة أو الاستعراض.













07/15/2026 - 13:13 PM





Comments