بقلم الكاتب الصحفى: عزت سلامة
لم تعد الحرب الدائرة بين إيران وخصومها مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو تبادل رسائل نارية من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة والضربات المتبادلة بين الاطراف المتنازعة ، بل تحولت إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة ، والممرات البحرية بموازين القوى ، لتصبح اليمن اليوم إحدى أخطر ساحات الإشتباك فى الشرق الأوسط .. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات لعقود قادمة.
اليمن ليست بعيدة عن الحرب الإيرانية..من يعتقد أن ما يجرى فى اليمن منفصل عن الحرب الإيرانية يخطئ قراءة المشهد.. فالحوثيون يمثلون أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية فى المنطقة ، ومع اتساع دائرة المواجهة فى الخليج عاد الملف اليمنى إلى الواجهة بقوة.. وتزايدت التهديدات المرتبطة بمضيق باب المندب ، أحد أهم الشرايين البحرية العالمية ، فى وقت تتصاعد فيه المخاوف من استخدامه كورقة ضغط موازية لمضيق هرمز..
ولذلك فإن أى تصعيد فى اليمن لا يمكن فصله عن الصراع الأكبر بين طهران وواشنطن وحلفائهما ، لأن اليمن تمثل الجبهة الجنوبية للخليج والبوابة الاكثر أهمية للأمن السعودى..
السعودية تقع الآن بين مطرقة الأمن وسندان الاستقرار ، فالسعودية تدرك أكثر من غيرها خطورة الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.. فالمملكة التى أطلقت خلال السنوات الأخيرة مشروعات اقتصادية وتنموية عملاقة تحتاج إلى بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.. ولهذا حاولت الرياض خلال الأعوام الماضية خفض التوتر مع إيران والبحث عن تسويات سياسية فى اليمن..لكن استمرار الهجمات والتهديدات للممرات البحرية والمنشآت الحيوية يضع السعودية أمام تحد كبير : كيف تحافظ على الأمن دون الانجرار إلى حرب مفتوحة قد تستنزف الجميع ؟
"معركة المضائق.. الخطر الأكبر "
الحرب الحالية لم تعد تدور فقط بالصواريخ والطائرات ، بل أصبحت معركة سيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية.. فبعد تصاعد التوتر فى مضيق هرمز ، تتزايد المخاوف من انتقال الضغوط إلى باب المندب عبر اليمن ، وهو ما قد يؤثر على التجارة الدولية وأسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية..ولهذا بدأت دول الخليج فى البحث عن بدائل استراتيجية للممرات البحرية المهددة ، عبر خطوط أنابيب وموانئ جديدة تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية.. لكن يبقى السؤال المهم : هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط من جديد ؟ ..هناك مؤشرات واضحة على أن المنطقة تشهد إعادة ترتيب شاملة لأولويات الأمن والتحالفات.. فدول الخليج أصبحت أكثر حرصا على حماية استقرارها الداخلى ، بينما تسعى إيران إلى استخدام أوراق نفوذها الإقليمية لتحسين موقعها التفاوضى وفرض معادلات جديدة..وفى المقابل تتزايد التحركات الدبلوماسية الإقليمية لمنع الانفجار الكبير الذى قد يحرق الجميع دون استثناء.
"الشرق الأوسط أمام مفترق طرق"
الحقيقة أن المنطقة تقف اليوم بين خيارين لا ثالث لهما : إما الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر واليمن ، وتستنزف الاقتصادات والشعوب ، وإما العودة إلى طاولة المفاوضات بعد أن يدرك الجميع أن تكلفة الحرب أصبحت أعلى من أى مكسب سياسى أو عسكرى.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد هذه الأزمة لن يكون كما كان قبلها.. فخرائط النفوذ تتغير ، والتحالفات يعاد تشكيلها ، والممرات البحرية أصبحت جزءا من معادلة الصراع.. أما اليمن التى كانت توصف يوما بأن أزمتها محلية فقط ، فقد تحولت اليوم إلى مفتاح أساسى لرسم مستقبل المنطقة بأكملها ، وربما إلى الشرارة التى ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط مقبلا على تسوية تاريخية أم على سنوات جديدة من النار والدخان.













07/15/2026 - 13:45 PM





Comments