سيرينا جمال دملج *
انتهت الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما وسط أجواء وصفت بالإيجابية، وبدا أن الطرفين، برعاية أميركية، يحاولان الانتقال من مرحلة إدارة التصعيد إلى اختبار إمكانات التنفيذ، ولو بخطوات تدريجية.
ورغم استمرار الخلافات، فإن مجرد جلوس الوفدين إلى طاولة واحدة لم يعد الحدث الاستثنائي الذي كان عليه قبل سنوات. لقد أصبح التفاوض، بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، خيارًا معلنًا بوصفه "أفضل الممكن" في الظروف الراهنة، كما عبّر عن ذلك رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في أكثر من مناسبة.
لكن، بعيدًا عن تفاصيل اللجان والخرائط والمناطق التجريبية، راودني سؤال بسيط: ماذا نعرف، نحن اللبنانيين، عن الذين تفاوضهم دولتنا اليوم؟
بين الحرب والصورة
منذ أكثر من أربعة عقود، نشأت أجيال كاملة في لبنان وهي لا ترى إسرائيل إلا من خلال صور الحرب، ولا تسمع عنها إلا عبر نشرات الأخبار والخطابات السياسية.
ولا شك في أن الصراع الطويل ترك جراحًا عميقة لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها. لكن، في المقابل، فإن الاقتصار على صورة واحدة للطرف الآخر يجعل المعرفة أسيرة الحرب وحدها، فيما تبقى كل الجوانب الأخرى غائبة عن الوعي العام... والأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على الطرف الآخر أيضًا.
الجدار الذي كان نافذة
قد يختلف اللبنانيون في تقييم تجربة ما عُرف في ثمانينيات القرن الماضي بـ"الجدار الطيب"، لكن تلك المرحلة أتاحت، في ظروف استثنائية، نوعًا من التواصل المباشر بين لبنانيين وإسرائيليين، بعيدًا عن لغة المدافع والصواريخ. لم يكن ذلك سلامًا، ولم يكن إنهاءً للصراع، لكنه كشف، ولو جزئيًا، أن اللقاء المباشر يختلف كثيرًا عن الصور التي ترسمها المسافات والخنادق. وربما لهذا السبب، بقيت تلك المرحلة حاضرة في ذاكرة كثيرين ممن عاشوها، لا لأنها ألغت الخلاف، بل لأنها أظهرت أن الإنسان لا يُختزل دائمًا في الصورة التي يرسمها عنه خصمه.
حين روى لي أبي حكاية موسكو
قبل نحو أسبوعين، كتب والدي في هذا الموقع عن لقائه في موسكو عام 2000 مع وزير التعاون الإقليمي والدولي الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز، قبيل اجتماعه الأول مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لفتني يومها حديثه عن مضمون اللقاء، لكن ما أثار فضولي أكثر كان ما لم يكتبه. فعندما قررت "قناة أبوظبي الفضائية" إجراء المقابلة، بادر أبي إلى الاتصال بالملحق الإعلامي في السفارة الإسرائيلية في موسكو، يارون غامبورغ، طالبًا موعدًا مع بيريز. ثم جاءه الاعتذار بسبب ازدحام البرنامج. فاكتفى أبي بالقول بهدوء: "أعدك بأنك ستتصل بي خلال عشر دقائق".
بعد ذلك، أجرى أبي اتصالًا بمديرة القسم الصحفي في وزارة الخارجية الإسرائيلية في القدس، أميرة دوتان، شارحًا لها المشكلة... ولم تمضِ دقائق قليلة حتى عاد الاتصال من موسكو، وتم تحديد الموعد. قد تبدو هذه مجرد واقعة مهنية عادية. أما بالنسبة إليّ، فهي تروي شيئًا آخر أيضًا. تروي أن الاحترام المهني، والالتزام بالكلمة، وسهولة التواصل، يمكن أن توجد حتى بين أشخاص ينتمون إلى دول متخاصمة.
التفاوض لا يصنع الصداقة... لكنه يصنع المعرفة
لا أحد يطلب من اللبنانيين أن ينسوا تاريخهم، ولا من الإسرائيليين أن يتخلوا عن روايتهم. ولا أحد يتوهم أن جولة تفاوض واحدة قادرة على إنهاء عقود من الصراع. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يبقى كل طرف أسير الصورة التي صنعها عن الآخر، وبين أن يختار اختبار هذه الصورة من خلال الحوار المباشر. فالدول لا تتفاوض لأنها متفقة، بل لأنها مختلفة. والمفاوضات لا تُعقد بين الأصدقاء، بل بين الخصوم. ولهذا السبب، فإن قيمة ما يجري بين اللبنانيين والإسرائيليين، سواء في واشنطن أو في روما، لا تكمن فقط في ما قد ينتج عنه من ترتيبات ميدانية، بل أيضًا في أنه يفتح نافذة صغيرة على معرفة مباشرة، بدل الاكتفاء بما تقوله الدعاية المتبادلة بينهما.
ماذا بقي من فرصة التعرّف؟
ربما يكون السؤال الذي يزعج بعضنا اليوم هو نفسه السؤال الذي ينبغي أن نطرحه: إذا كانت الدولة اللبنانية قد اختارت التفاوض دفاعًا عن مصالحها، وإذا كانت هذه المفاوضات تُدار باسم اللبنانيين جميعًا، أفلا يستحق اللبنانيون أن يعرفوا، بعيدًا عن الشعارات، من هو الطرف الذي يجلس على الضفة الأخرى من الطاولة؟
المعرفة هنا ليست استسلامًا. والحوار ليس تنازلًا. والتعرّف إلى الآخر لا يعني التخلي عن الحقوق، بل قد يكون، في كثير من الأحيان، الخطوة الأولى لفهم الصراع كما هو، لا كما تصفه الصور المسبقة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو روما اليوم، كما واشنطن، أكثر من مجرد مدينتين تستضيفان جولة مفاوضات. إنهما فرصة لاختبار فكرة بسيطة، لكنها عميقة: أن السلام يبدأ أحيانًا عندما يقرر الخصوم أن ينظر بعضهم إلى بعض، لا عبر فوهة البندقية، بل عبر طاولة الحوار.
* كاتبة وإعلامية لبنانية – روسية تعيش في واشنطن











07/15/2026 - 16:39 PM





Comments