في غياب آلية للتنفيذ، أو حَكَم مُحايد، أو معيار متفق عليه لتحديد حالات الخرق، تركت "مذكرة هرمز" مسألة فشلها رهناً بالاعتبارات السياسية.
بقلم: شربل عبد الله أنطون
لم يكتفِ الرئيس ترامب هذا الأسبوع بالإعلان عن انتهاء "مذكرة هرمز" بين الولايات المتحدة وإيران، بل كشف أيضاً عن عيبها الجوهري: إذ لا يمكن لأي من الأطراف المعنية أن يجزم فعلياً بما إذا كان التفاهم قد انتهى أم لا.
فمن على منصة قمة حلف الناتو في أنقرة، أعلن ترامب أن المذكرة "انتهت"، وهاجم القيادة الإيرانية واصفاً إياها بـ "الحثالة"، كما اعتبر إجراء المزيد من المحادثات "مضيعة للوقت". ومع ذلك، وفي السياق نفسه، صرح بأن مبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يتمتعان بحرية مواصلة التفاوض.
شنت القوات الأميركية ضربات استهدفت نحو 80 موقعاً داخل إيران ليلة الثلاثاء رداً على هجمات طالت ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ثم قصفت قرابة 90 موقعاً إضافياً يوم الأربعاء؛ وذلك بهدف - حسبما ذكرت القيادة المركزية الأميركية - إضعاف قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة في المضيق. كما ألغت وزارة الخزانة الأميركية الإعفاء من العقوبات الذي كانت قد منحته لطهران قبل أسابيع قليلة فقط. وفي المقابل، ردت إيران بضربات استهدفت منشآت أميركية في البحرين والكويت، وللمرة الأولى في الأردن، حيث أعلن الجيش اعتراض ثمانية صواريخ قادمة. وبحلول يوم الخميس، أفاد مسؤولون أميركيون بعدم صدور أوامر بشن ضربات جديدة، رغم استمرار هذه القوات في إسقاط الصواريخ الإيرانية القادمة.
وعلى متن طائرة الرئاسة، ذهب ترامب إلى أبعد من مجرد القول بأن الاتفاقية "انتهت"، إذ صرح قائلاً: "لست متأكداً من رغبتي في إبرام اتفاق معهم... دعونا ننجز المهمة وحسب". وجاء رد كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، بالمثل؛ حيث كتب على منصة "إكس": "إذا ضربتم، فستتلقون ضربة"، مضيفاً أن مضيق هرمز لن يُفتح إلا بموجب "ترتيبات إيرانية، وليس تحت وطأة التهديدات الأميركية". ومع نهاية الأسبوع، كانت الولايات المتحدة قد علقت شن ضربات جديدة رغم تصاعد حدة خطابها، بينما ظل دبلوماسيوها - من الناحية الشكلية على الأقل - منخرطين في العملية.
إذن، أي الأمرين هو الصحيح؟ هل ماتت مذكرة التفاهم أم أن المفاوضات جارية؟
الإجابة هي كلاهما معاً، وفي الوقت نفسه لا شيء منهما؛ لأن المذكرة لم تُصمَّم قط لحسم هذه المسألة.
فمنذ البداية، افتقرت مذكرة تفاهم هرمز إلى السمات الأساسية لاتفاق دائم؛ إذ لم تكن هناك آلية للتنفيذ، ولا حَكَم مُحايد، ولا نظام تفتيش قادر على التحقق من الامتثال. بل لم يكن هناك حتى تعريف مشترك لما يُعد انتهاكاً للاتفاق. فقد اتهم مسؤولون إيرانيون واشنطن بخرق الاتفاق أولاً عبر توجيه ناقلات النفط للسير في ممر جنوبي قرب الساحل العُماني دون موافقة طهران، وهو الممر ذاته الذي كان من المفترض أن تحسم المذكرةُ وضعَه. وفي المقابل، تقول واشنطن إن إيران خرقت الاتفاق بإطلاق النار على سفن تجارية. ولا سبيل للبت في أي من الادعاءين؛ إذ لا توجد جهة مخولة بالفصل بين الطرفين.
وبدلاً من ذلك، وكما وصفه أحد المسؤولين الأميركيين، كان اتفاهم هرمز يعمل بمثابة "مقبض تحكُّم" (أو قرص ضبط): حيث تعدّل واشنطن مستوى ضغط العقوبات، وتعدّل طهران سلوكها، وكلا الطرفين يتصرف وفقاً لتقديراته الخاصة. وقد عبّر مسؤول أميركي آخر عن الفكرة ذاتها بوضوح أكبر هذا الأسبوع، قائلاً إن التصعيد الراهن قد يستمر "يوماً، أو يومين، أو أسبوعاً، أو شهراً"، وذلك يعتمد كلياً على سلوك إيران، مضيفاً: "نحن نتحلى بالصبر".
قد يبدو هذا النهج عملياً، لكنه يعني من الناحية الواقعية أن التفاهم لم يكن يتضمن نقطة فشل واضحة؛ فمقبض التحكم لا يُخبرك متى حدث العطل أو الانهيار، بل يشير فقط إلى أن مستوى الضغط آخذ في التغيُر.
لقد عُدّ هذا الغموض نقطة قوة لأسابيع؛ إذ أتاح للطرفين اختبار الحدود دون الالتزام بمسار تصعيدي. ولكن عندما هاجمت إيران تلك الناقلات الثلاث هذا الأسبوع، تحول ذلك الغموض ذاته إلى عبء؛ إذ لم يكن هناك حد متفق عليه يفصل بين الاستفزاز المقبول وبين التصعيد الذي ينسف مذكرة التفاهم.
لم يكن غياب القيود أمراً غفلت عنه الأطراف، بل كان هو الغاية المقصودة؛ فقد أرادت واشنطن مرونة تتيح لها تشديد الضغط أو تخفيفه دون التقيد برقابة الكونغرس أو التحكيم الدولي، بينما أرادت طهران تخفيف العقوبات دون الخضوع لعمليات تحقق تطفلية أو قيود رسمية على سلوكها الإقليمي. لقد آثر الطرفان حرية المناورة على الالتزام؛ فكانت ورقة التفاهم اتفاقاً صُمم لتأجيل المواجهة، لا للصمود أمامها.
وقد نجح الأمر... إلى أن توقف عن النجاح.
كانت علامات التحذير واضحة للعيان؛ ففي أواخر شهر يونيو/حزيران المنصرف، أصاب صاروخ سفينة الحاويات "إيفر لوفلي (Ever Lovely) أثناء إبحارها في مسارٍ أوصت به السلطات البحرية البريطانية، مما أدى إلى ردٍ انتقامي أميركي أعقبه ردٌ إيراني بطائرة مسيرة. وقد رفضت طهران إطار عمل الشحن البحري الذي اقترحته سلطنة عُمان والمنظمة البحرية الدولية، ونفت وجود خط ساخن عسكري كان قد وُعد به، كما أنشأت "هيئة جديدة للمضيق" - وهي جهة فرضت واشنطن عقوبات عليها باعتبارها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومصممة لجباية رسوم من السفن العابرة لمياهٍ نصت مذكرة التفاهم صراحةً على بقائها حرة ومفتوحة للملاحة.
لقد اختبرت كل خطوة من هذه الخطوات حدود مذكرة التفاهم، وتم استيعاب كل منها دون رد حاسم. أما هذا الأسبوع، فلم يمر الأمر دون رد؛ ليس لأن هيكلية المذكرة قد تغيرت، بل لأن درجة تحمّل واشنطن تغيّرت. لم تفرق المذكرة قط بين الانتهاكات البسيطة والجسيمة، لأن كلا الطرفين أصر على إصدار هذا الحكم بنفسه، وحينما يروق له ذلك فقط.
ولهذا السبب، يستطيع ترامب إعلان انتهاء مذكرة التفاهم بينما يواصل مفاوضوه المحادثات؛ فالمذكرة لا تجيب على سؤال "هل فشل التفاهم؟"، بل يترك هذا التحديد للأطراف المعنية نفسها. وهذا يعني اليوم أن الإجابة هي ما يقرره الرئيس، إلى أن تفرض الظروف -أو الاستراتيجية- جواباً آخر.
وتمارس طهران اللعبة ذاتها؛ فقد تجنبت وزارة الخارجية الإيرانية مجاراة خطاب ترامب، واعدةً بـ "تحرك" فعلي بدلاً من التصعيد الكلامي. وهذا ليس اعتدالاً، بل هو تماثل استراتيجي؛ إذ يحافظ كلا الطرفين على مساحة للمناورة دون إغلاق الباب رسمياً.
ثمة ميل في واشنطن للتعامل مع الأمر باعتباره فشلاً فنياً يمكن معالجته عبر تحسين آليات المراقبة أو تحديد محفزات أكثر وضوحاً للتحرك. ورغم أهمية هذه الأدوات، إلا أنها لم تكن لتُنهي المشكلة الجوهرية؛ فالاتفاقات التي تتسم بالغموض قد تصمد حينما تتوافق المصالح الأساسية للأطراف، وهو ما لم يحدث في هذه الحالة، ولا يمكن لأي تحسينات إجرائية أن تعوض ذلك.
لا يستطيع الكونغرس فرض التوافق في المصالح بقوة التشريع، لكنه قادر على فرض الوضوح في الجوانب التي تحاشى الاتفاق حسمها. ينبغي لأي إطار عمل مستقبلي ينظم الملاحة في مضيق هرمز أن يتضمن محفزات صريحة مرتبطة بسلوكيات قابلة للتحقق، وآليات مراقبة مستقلة، ومتطلبات للحصول على شهادات بحرية تستند إلى بيانات تتبع السفن وتقارير الحوادث قبل منح أي تخفيف للعقوبات؛ ليس لأن الإجراءات الورقية تولد الثقة، بل لأنها تلزم الطرفين بتحديد - قبل وقوع الأزمة - ماهية الانتهاك والجهة المخولة بإقراره.
لقد أرجأت مذكرة التفاهم البت في هذه المسائل إلى اللحظة التي أصبحت فيها أكثر أهمية. والآن بات القرار بيد من يقف خلف منصة الخطابة، سواء في واشنطن أو طهران، في أي يوم من الأيام.
هذه ليست دبلوماسية؛ بل ارتجال تحت الضغط.













07/10/2026 - 13:30 PM





Comments