رشيد ج. مينا
"إن الانتقال من وضعية إلى أخرى يحمل معه تغييرًا في الرؤية والاستيعاب، ويقرب الإنسان من الحقيقة، مع الإيمان بأن الحقيقة المطلقة لا يدركها ولا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى."
بعد أن تأملت لبنان من نافذة الطائرة، حيث بدا الوطن لوحةً متناسقة تتعانق فيها الجبال مع البحر، ويزهو بتنوعه وجماله الأخاذ، وجدتني اليوم أنتقل إلى نافذة أخرى، نافذة سفينة تشق غمار البحر، وسط أجواء مناخية متقلبة، وأمواج تهدأ حينًا وتعلو حينًا آخر، وكأنها تختصر حال هذا الشرق المضطرب.
كنت أراقب البحر أكثر مما أراقب الأفق. ففي البحر، كما في الحياة، لا يكفي أن تعرف وجهتك، بل يجب أن تمتلك القدرة على تجاوز ما يعترض طريقك من عواصف ومخاطر. وبينما كانت السفينة تتابع مسيرها بثبات، أخذت أنا أبحر في رحلة أخرى، رحلة داخل الذاكرة، لا في عالم الخيال، بل في واقع عشته بكل تفاصيله.
عادت بي الذاكرة إلى أيام الطفولة وبداية الشباب، يوم كان لبنان يوصف بـ"سويسرا الشرق"، ويُقال إنه مكتبة العرب، ومرفؤهم، ومستشفاهم، وجامعتهم، ومصرفهم، ومصيفهم، ومقصدهم السياحي والخدماتي والعلمي، بل وملاذ الأحرار والمضطهدين في السياسة والفكر، ممن ضاقت بهم أوطانهم وضاقت فيها مساحة الحرية.
كانت صورة مشرقة، بل تكاد تكون حلمًا جميلاً، ترسخ في وجدان جيل كامل.
لكن فجأة انقطع حبل الذاكرة...
لفت انتباهي سرب من أسماك القرش يلاحق السفينة، وكأنها تترقب لحظة ضعف لتنقض عليها، ثم مر حوت ضخم بمحاذاة السفينة، حتى شعرت بملامسته الغليظة لجسمها، فاهتزت قليلًا، قبل أن يستعيد البحر هدوئه.
عادت الذاكرة من جديد...
وسألت نفسي: هل كانت تلك الصورة عن لبنان تعبر عن الحقيقة كلها؟
لقد كانت الصورة جميلة، لكنها لم تكن كاملة. ففي أعماق ذلك اللبنان الذي أبهر العرب والعالم، كان هناك فقر، وظلم، وتفاوت اجتماعي، وحرمان، وتمييز، ومحاولات لبناء دولة لم تكتمل، أو ربما لم يُرَد لها أن تكتمل. كانت الواجهة براقة، أما الأعماق فكانت تخفي تناقضات تراكمت حتى انفجرت.
ثم جاء نيسان عام 1975.
عندها خرجت كل التناقضات إلى العلن، لا باعتبارها وليدة تلك اللحظة، بل باعتبارها نتاجًا لمسار طويل من الإهمال، وسوء إدارة التنوع، والتدخلات الخارجية، وغياب الدولة الحقيقية.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل لبنان نفقًا طويلًا، تبدلت فيه أسماء الحروب، وتغيرت الشعارات، لكن المشهد بقي واحدًا. قتل على الهوية، وتهجير، وسحل، وتقسيم، وفرز، وولاءات متصارعة، واستُخدمت كل العناوين الطائفية، والمذهبية، والأيديولوجية، والدينية، وكل أدوات التحريض، حتى بدا وكأن الوطن يتآكل من داخله.
وأنا أتابع رحلتي البحرية، كنت أبحر في رحلة أخرى داخل الذاكرة.
كيف يمكن للبنان الذي كان يُقدَّم نموذجًا للحرية والإبداع أن يصل إلى مرحلة يقتل فيها اللبناني أخاه اللبناني بسبب انتمائه الطائفي أو المذهبي، أو دفاعًا عن حزب أو زعيم؟
كيف انتقل من بلدٍ للنور والثقافة إلى وطن يعيش فيه الإنسان بلا كهرباء، ولا ماء، ولا مؤسسات فاعلة، ولا قضاء مستقل، ولا أمن حقيقي، حتى أصبحت أبسط حقوق المواطن تُقدَّم له وكأنها مِنّة من الطبقة السياسية، لا واجبًا تفرضه الدولة؟
وانقطع حبل الذاكرة مرة أخرى...
هذه المرة كان الارتجاج أشد. فقد دخلت السفينة عاصفة عنيفة، وارتفعت الأمواج، ومالت السفينة أكثر من مرة، لكن قبطانها وبحارتها ظلوا متمسكين بالبوصلة، يعملون بروح الفريق، ويحاولون الحفاظ على مسارها حتى تجاوزت العاصفة وعادت إلى بحر أكثر هدوءًا.
عندما عاد الهدوء، عاد السؤال.
أليس الوطن أشبه بهذه السفينة؟
إن السفينة تنجو عندما تكون وجهتها واحدة، وبوصلتها واحدة، وربانها واحدًا، ويؤمن جميع من عليها أن نجاتهم لا تكون إلا معًا.
أما لبنان، فما زال يعيش داخل النفق.
يزيد من أزمته استمرار العدوان الإسرائيلي، واتساع رقعة الاحتلال، في ظل أطماع صهيونية، قد تنكرها الحكومات الإسرائيلية، لكنها تبقى جزءًا من الفكر الصهيوني القائم على التوسع وفرض الوقائع بالقوة، وما يجري في فلسطين وسوريا ولبنان تحت ذرائع الأمن ليس بعيدًا عن هذا المسار.
ومع ذلك، فإن الخطر الخارجي، على جسامته، لا يلغي حقيقة أن الانقسام الداخلي، والتبعية للخارج، واستثمار الطائفية والمذهبية في الصراع السياسي، كانت وما زالت من أهم أسباب عجز الدولة عن استعادة قرارها وسيادتها.
تستمر السفينة في الإبحار...
وأستمر في الإبحار معها.
وأزداد يقينًا أن لبنان، رغم كل ما مر به، سيبقى في وجداني ذلك الوطن الجميل، بتنوعه، وحيوية شعبه، وطاقاته، وحريته، وانتمائه الوطني والعربي. غير أن هذا التنوع، الذي كان يفترض أن يكون مصدر غنى وقوة، جرى الاستثمار فيه على نحو معاكس، فتحولت النعمة إلى نقمة، والغنى إلى فتنة، خدمةً لمصالح الآخرين، وبفعل تقصير أبنائه في بناء دولة تتسع للجميع.
إن لبنان، كما هذه السفينة، لن يصل إلى بر الأمان إلا إذا امتلك بوصلة واحدة، هي الانتماء الوطني، ورسخ مفهوم المواطنة، واستعاد قراره الحر، وتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، ومن كل أشكال الوصاية والتبعية، وأقام دولة تحكمها المؤسسات والقانون والعدالة، بدعم عربي أخوي صادق، وإسناد دولي يحترم سيادته، لا أن يستثمر في أزماته.
وبعد ساعات من الإبحار... وصلت السفينة إلى وجهتها. وقفت على سطحها أتأمل الميناء الذي رست فيه، فابتسمت للسفينة لأنها بلغت غايتها.
ثم عدت أسأل نفسي...
إذا كانت السفينة قد وصلت إلى الميناء... فهل يصل الوطن؟












07/10/2026 - 09:12 AM





Comments