سيرينا جمال دملج *
في رواية "الشيخ والبحر" الشهيرة لإرنست همنغواي، لم يكن انتصار الصياد العجوز سانتياغو في اصطياد السمكة العملاقة هو نهاية الحكاية، بل بدايتها. فقد استطاع أن ينتزعها من أعماق البحر بعد معركة طويلة، لكنه لم يستطع أن يحميها في رحلة العودة... وشيئًا فشيئًا، كانت أسماك القرش تلتهمها حتى لم يبقَ منها، عندما بلغ الشاطئ، سوى هيكل عظمي يروي قصة انتصارٍ ناقص، أو ربما قصة هزيمة جاءت متأخرة.
هذه الصورة الأدبية تعود إلى ذهني كلما فكرت في لبنان. فهذا البلد لم يكن يومًا عاجزًا عن إنتاج الفرص. على العكس، ربما لم يعرف بلد عربي آخر هذا العدد من اللحظات التي بدت وكأنها تؤسس لبداية جديدة: نهاية الحرب الأهلية كانت فرصة، وإعادة الإعمار كانت فرصة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 كان فرصة، وانسحاب الجيش السوري عام 2005 كان فرصة أخرى... وكل استحقاق دستوري أو سياسي حمل في طياته وعدًا باستعادة الدولة لدورها الطبيعي، ولكن شيئًا ما كان يحدث دائمًا بين لحظة اصطياد السمكة ولحظة الوصول بها إلى الميناء.
بين الصياد ورحلة العودة
غالبًا ما كانت الفرصة تبدأ كبيرة، ثم تتآكل تدريجيًا. تدخل الحسابات الداخلية، وتتقدم الولاءات على المؤسسات، وتتزاحم المصالح الفئوية، وتتداخل الأجندات الإقليمية والدولية، فتتحول الفرصة إلى بقايا فرصة، ويصبح الإنجاز الموعود مجرد ذكرى لما كان يمكن أن يكون.
لم تكن المشكلة في البحر، ولا في الصياد، بقدر ما هي في رحلة العودة. فخلال العقود الماضية، عاش اللبنانيون على إيقاع التسويات. كل تسوية كانت تُقدَّم باعتبارها النهاية السعيدة لأزمة طويلة، لكنها كانت، في كثير من الأحيان، مجرد هدنة مؤقتة تسبق أزمة جديدة. وكأن لبنان لم ينجح في بناء دولة مستقرة بقدر ما نجح في إدارة أزماته المتلاحقة.
ولعل أخطر ما واجهه اللبنانيون أنهم اعتادوا التعايش مع هذا الواقع. أصبح الاستثناء هو القاعدة، وتحوّل غياب الدولة الكاملة إلى أمر مألوف، فيما راحت المؤسسات تفقد هيبتها تدريجيًا، وتراجع الإيمان بأن القانون وحده ينبغي أن يكون المرجع النهائي للجميع.
جدلية المدّ والجزْر
اليوم، يقف لبنان مرة أخرى أمام منعطف تاريخي. الحديث لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار أو ترسيم الحدود مع إسرائيل أو إعادة الإعمار، بل يتناول سؤالًا أكثر عمقًا: أي دولة يريد اللبنانيون؟ وهل يمكن لأي دولة أن تستعيد سيادتها كاملة، في غمرة حركة المدّ والجزْر بين المحيطات المحلية والإقليمية والدولية، ما لم تحتكر وحدها حق استخدام القوة، وتفرض سلطتها على كامل أراضيها، وتحظى بثقة مواطنيها قبل اعتراف العالم بها؟
قد تختلف القوى السياسية في الإجابات، وقد تتباين القراءات للمخاطر والفرص، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على تنفيذ قراراتها، وحماية حدودها، وصون السلم الأهلي، واحتكار أدوات القوة ضمن مؤسساتها الشرعية.
هذا ليس مطلبًا يخص فريقًا دون آخر، ولا شعارًا سياسيًا عابرًا، بل هو القاعدة التي قامت عليها الدول الحديثة، شرقًا وغربًا. وكلما تأخّر الوصول إليها، بقي لبنان معلقًا بين منطق الدولة ومنطق الساحات المفتوحة لصراعات الآخرين.
بين الأدب والسياسة
ربما لهذا السبب تبدو استعارة همنغواي أقرب إلى الواقع اللبناني مما نتصور. فالخطر لا يكمن دائمًا في عدم القدرة على اصطياد السمكة، بل في العجز عن حمايتها بعد ذلك. والانتصارات، مهما كانت كبيرة، قد تتحول إلى خسائر إذا لم تُستكمل ببناء مؤسسات قادرة على صونها.
لكن الفرق بين الرواية والواقع يبقى جوهريًا. ففي نهاية رواية همنغواي، انتهت الرحلة، وعاد الشيخ إلى كوخه ليستريح. أما رحلة لبنان فلم تنته بعد. وما تزال السمكة، رغم كل ما أصابها، قابلة للإنقاذ إذا امتلك اللبنانيون الشجاعة الكافية للتمييز بين ما هو حق للدولة وما هو عبء عليها، وبين ما يخدم الوطن وما يجعله ساحةً لحروب الآخرين.
وهنا ينبغي التنويه بأن الأمم لا تُقاس بعدد الفرص التي حصلت عليها، بل بعدد الفرص التي نجحت في الحفاظ عليها. ولبنان ليس فقيرًا بالفرص، بل مثقل بها. غير أن الفرص، مثل السمكة التي اصطادها سانتياغو، لا يكفي أن تُنتزع من البحر؛ بل يجب أن تصل سليمة إلى المرفأ.
وهنا أيضًا، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، أكثر من أي وقت مضى: هل يستطيع لبنان أن يحمي سمكته الأخيرة، أم أن أسماك القرش ستسبقه مرة أخرى إلى الشاطئ؟
* كاتبة وإعلامية لبنانية – روسية، تعيش في واشنطن













07/10/2026 - 13:04 PM





Comments