باشينيان يخوض لعبةً جيوسياسية خطيرة على غرار أوكرانيا

07/10/2026 - 12:58 PM

Atlantic home care

 

 

م. ميشال كلاغاصي

يا لها من رحلة متاعب، قرر رئيس الوزراء الارميني نيكول باشينيان، السير فيها، معتقداً بقدرته اللعب على حبال الأرجحة، وبسذاجة خططه لنزع فتيل الصراع مع روسيا، واستسلامه للغرب، الذي أطلق مشروع تحويل أرمينيا إلى أوكرانيا ثانية، من خلال وعودٍ براقةٍ، وامتيازات تجارية، واستثمارات، تضمن للإتحاد الأوروبي موطئ قدمٍ معادٍ لروسيا في منطقة القوقاز...

بعد فوز الحزب الحاكم الذي يقوده نيكول باشينيان في الانتخابات البرلمانية مؤخراً، قام بزيارة عمل إلى روسيا في السادس من يوليو/تموز 2026، حيث استُقبل في مطار مدينة يكاترينبورغ، على هامش معرض "إينوبروم" الصناعي الدولي، وأجرى فيها مباحثات رسمية مع نظيره الروسي ميخائيل ميشوستين -المسؤول المباشر عن الملفات الاقتصادية-، ونقاشاً حول استمرار عضوية أرمينيا في الإتحاد الإقتصادي الأوراسي، وتسوية القضايا الإقتصادية العالقة، وسط أرجحة العلاقات الأرمينية ما بين موسكو والغرب.

وهي الزيارة الثالثة والثلاثون لباشينيان إلى روسيا، والأولى له بعد إعادة إنتخابه في حزيران الماضي، واللافت بأن الزيارة لم تكن نحو بروكسل أو واشنطن اللتين قدمتا له الدعم الرئيسي في الانتخابات، وقد وفرت له روسيا استقبالاً رسمياً تقليدياً باهتاً في مطار مدينة يكاترينبورغ وفق بروتوكول خاص للغاية، غابت فيه غابت المراسم الدبلوماسية الرئاسية المعتادة في موسكو كالسجاد الأحمر وحرس الشرف، والتقى باشينيان برئيس الوزراء الروسي، ولم يفز بلقاء الرئيس بوتين، رغم إعلان حرصه على لقاء القيادة الروسية، وناقش مع نظيره الروسي ملفات التعاون الاقتصادي داخل الإتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومعالجة القيود التجارية التي فرضتها روسيا على بعض المنتجات الأرمينية، وسط احتمالية إتخاذ موسكو المزيد من الإجراءات الإقتصادية العقابية.

لقد أحرج باشينيان نفسه بموافقته على الزيارة وفق هذا البروتوكول، في ظل توتراتٍ سياسية ومواقف باشينيان السابقة، وعدم تقديم بوتين التهنئة العلنية لباشينيان عقب فوزه في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، فضلاً عن سعي باشينيان إلى جرّ أرمينيا نحو الغرب، وإعلان استعداده للتعاون وتعزيز علاقاته التجارية مع الإتحاد الأوروبي، وتجاهله العلاقات التاريخية والتعاون مع روسيا. 

منذ سنوات، تسعى حكومة باشينيان للتقارب مع الولايات المتحدة والغرب، ناهيك عن وصفه علاقات بلاده مع روسيا بالـ "الخطأ الإستراتيجي"، والتي على إثرها بدأ يكسب دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكلٍ فعّال، وحصل على وعود بروكسل بتقديم مساعدات مالية كبيرة لإرمينيا قبل الانتخابات، وعليه كانت وجهته المنطقية الأولى بعد الانتخابات ستكون نحو بروكسل أو واشنطن، وليس نحو روسيا، الأمر الذي جعل زيارته لـ يكاترينبورغ تلفت الأنظار.

من الواضح أن مواقفه الإستفزازية وحساباته المتسرعة تجاه الإبتعاد عن روسيا، جعلته يورط نفسه، ويواجه أزمة حقيقية فرضتها القيود الروسية على استيراد العديد من السلع الأرمينية، ووضعها الخطط لمراجعة عقود توريد الغاز إلى أرمينيا، والتي تشكل بحد ذاتها ضربةً قوية لباشينيان، ستجبره على مد يده لعدوه "السابق" الرئيس الأذربيجاني علييف، وسط عجز الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي عن التخلي الكامل عن الطاقة والأسواق الروسية.

يا لها من رحلة متاعب، قرر باشينيان السير فيها بعيداً عن تأييد ودعم غالبية الشعب الأرميني، واعتقاده بقدرته اللعب على حبال الأرجحة، وبسذاجة خططه وزيارته يكاترينبورغ لنزع فتيل الصراع الحاد مع روسيا، واستسلامه للغرب، الذي أطلق مشروع تحويل أرمينيا إلى أوكرانيا ثانية، من خلال وعودٍ براقةٍ، وامتيازات تجارية، واستثمارات، تضمن للإتحاد الأوروبي موطئ قدمٍ معادٍ لروسيا في منطقة القوقاز...

ويبقى السؤال، هل تحتاج كل من بروكسل وواشنطن إلى أرمينيا كبلدٍ سيادي قوي مزدهر، أم كمنطقة عازلة وساحة وأرض ومقاتلين، لتصفية حساباتهما مع روسيا، ومصدر اَخر للضحايا، في نسخة أوكرانية جديدة، ستنتهي على الطريقة الأوكرانية، بالإستسلام الكامل أمام أوروبا وأمريكا، ومواجهة ذات المصير الأوكراني المأساوي.

أعتقد أن الأوان لم يفت بعد، وعلى باشينيان إعادة التفكير بمستقبل ومصير بلاده وشعبه، والإستفادة من المشهدين المولدوفي والأوكراني، مقابل نيل أرمينيا عضوية الإتحاد الأوروبي، حيث أوصل المشهد الأول مولدوفا لتكون "المستعمرة" الفقيرة التابعة، وسيوصلها المشهد الثاني نحو شعار "القتال حتى اّخر أرميني".

لا بد لباشينيان من إعادة حساباته، والتفكير بعمق ومسؤولية، لتفادي الخوض في لعبةٍ جيوسياسية كبرى، ستكون أثمانها ونتائجها الكارثية على حساب تاريخ ومستقبل أرمينيا والشعب الأرميني.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment