عندما تدخل الخوارزمية غرفة الأخبار: هل يفقد الإعلام العربي سيادته التحريرية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

07/09/2026 - 05:57 AM

Atlantic home care

 

 

سيلفانا سمعان *

في تاريخ الصحافة، كانت السلطة دائمًا مرتبطة بمن يملك القدرة على الوصول إلى المعلومة، والتحقق منها، وصياغتها، ثم إيصالها إلى الجمهور. لكن في القرن الحادي والعشرين، ظهرت طبقة جديدة من النفوذ لم تكن موجودة سابقًا: السلطة التي تتحكم في البنية التكنولوجية نفسها التي تمر عبرها الأخبار. لم تعد المعركة فقط حول من يكتب القصة، بل حول من يملك الأدوات التي تحدد كيف تُكتب القصة، وكيف تُفهم، وكيف تصل إلى الناس.

مع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، دخلت الصحافة مرحلة تحول جذري. فالنماذج اللغوية الكبيرة، وأدوات الترجمة الآلية، وأنظمة تحليل البيانات، وخوارزميات توزيع المحتوى لم تعد مجرد تقنيات مساعدة تستخدم على هامش العمل الصحفي، بل أصبحت جزءًا من البنية اليومية لإنتاج الأخبار. وبينما تقدم هذه الأدوات فرصًا هائلة لزيادة الكفاءة وتسريع العمل والوصول إلى كميات غير مسبوقة من المعلومات، فإنها تطرح في المقابل سؤالًا يتعلق بجوهر المهنة: هل يؤدي الاعتماد غير النقدي على هذه الأنظمة إلى انتقال جزء من السيادة التحريرية من الصحفي إلى الخوارزمية؟

المسألة هنا ليست رفض التكنولوجيا أو التعامل معها باعتبارها تهديدًا بحد ذاته. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة ثورية في خدمة الصحافة، من خلال تحليل الوثائق الضخمة، ومساعدة الصحفيين في التحقيقات المعقدة، وتسريع البحث داخل الأرشيفات، ودعم عمليات الترجمة والتحقق. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا من مساعد للصحفي إلى وسيط غير مرئي يؤثر في مضمون العمل الصحفي واتجاهاته دون أن تكون آلياته واضحة أو قابلة للمساءلة.

لقد ارتبط مفهوم استقلال الصحافة تاريخيًا بالتحرر من الضغوط السياسية والاقتصادية المباشرة. أما اليوم، فقد ظهر شكل جديد من التأثير يتمثل في الاعتماد على البنى التكنولوجية التي تديرها شركات عالمية كبرى. فالمؤسسة الإعلامية التي تعتمد على أنظمة مغلقة لإدارة المحتوى أو الترجمة أو توزيع الأخبار قد تجد نفسها أمام قواعد تقنية لا تشارك في وضعها، ولا تملك دائمًا القدرة على تعديلها أو فهم جميع آلياتها الداخلية.

وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته بـ”التبعية الخوارزمية”، أي الحالة التي تصبح فيها المؤسسات الإعلامية مرتبطة بمنظومات تقنية تؤثر في طريقة إنتاج المحتوى وانتشاره. فالخوارزمية لا تكتب الخبر بالضرورة، لكنها قد تؤثر في شكل الخبر، وفي الكلمات المستخدمة، وفي احتمالات وصوله إلى الجمهور. وفي عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية بوابة أساسية للوصول إلى القراء، فإن قواعد التوزيع الخوارزمية أصبحت جزءًا من المعادلة التحريرية نفسها.

تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عندما يتعلق الأمر باللغة العربية. فاللغة ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل هي ذاكرة ثقافية وحاملة لسياقات تاريخية وسياسية واجتماعية. والنص الصحفي العربي لا يقوم فقط على صحة الجملة، بل على دقة المصطلح، وحساسية السياق، والقدرة على نقل التجربة الإنسانية للمجتمعات التي يتناولها.

تواجه النماذج اللغوية الحديثة تحديات خاصة في التعامل مع العربية بسبب تنوعها الكبير، وخصوصية بنيتها، والتفاوت في حجم وجودة البيانات المتاحة مقارنة بلغات أخرى. وقد يؤدي الاعتماد غير المدروس على هذه الأدوات إلى إنتاج نصوص تبدو صحيحة من الناحية الشكلية، لكنها تفقد شيئًا من روحها المحلية أو من دقتها الدلالية.

من هنا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ”أنجلة النص العربي”، حيث تبدأ بعض النصوص الصحفية بالاقتراب من منطق الصياغة الإنجليزية نتيجة اعتماد أدوات ترجمة أو تحرير آلية صممت أساسًا ضمن بيئات لغوية مختلفة. المشكلة ليست في الانفتاح على اللغات الأخرى أو استخدام التكنولوجيا، بل في احتمال أن تصبح القوالب التقنية الخارجية معيارًا غير معلن لما يعتبر كتابة صحفية جيدة، على حساب خصوصية اللغة العربية وأساليبها التعبيرية.

ولا يقتصر تأثير الخوارزميات على مرحلة كتابة الخبر فقط، بل يمتد إلى مرحلة توزيعه ووصوله إلى الجمهور. فقد أصبحت المنصات الرقمية الكبرى شريكًا أساسيًا في النظام الإعلامي الحديث، حيث تحدد خوارزميات التوصية والانتشار بدرجات مختلفة أي المحتويات تظهر وأيها يتراجع.

هذا الواقع خلق نوعًا جديدًا من التحديات أمام الصحافة، خصوصًا الصحافة الاستقصائية التي تتعامل غالبًا مع قضايا حساسة تتعلق بالنزاعات والانتهاكات والفساد. فالمواد الصحفية التي تتضمن صورًا أو وثائق أو شهادات مرتبطة بأحداث عنيفة أو أزمات سياسية قد تمر عبر أنظمة آلية لا تمتلك دائمًا القدرة على التمييز بين التوثيق الصحفي وبين المحتوى الذي يروج للعنف.

وهنا تكمن إحدى أكبر المخاطر: عندما تُتخذ قرارات تؤثر على وصول المعلومات بناءً على أنظمة لا تفهم دائمًا السياق المحلي والثقافي والسياسي. فالصحفي الذي يوثق جريمة أو انتهاكًا قد يواجه نظامًا آليًا يركز على الكلمات أو الصور المستخدمة أكثر من تركيزه على الهدف الصحفي والحقوقي من نشرها.

هذه التحديات لا تخص العالم العربي وحده، لكنها تكتسب أهمية خاصة في المنطقة بسبب طبيعة الملفات التي تغطيها المؤسسات الإعلامية العربية، من النزاعات المسلحة إلى التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى. ولذلك فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي لا يجب أن يكون نقاشًا تقنيًا فقط، بل نقاشًا حول السيادة المعرفية والقدرة على إنتاج رواية إعلامية مستقلة.

الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا، لأن ذلك سيضع المؤسسات العربية خارج التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل مستقبل الإعلام. الحل يكمن في بناء قدرة عربية على التعامل مع هذه الأدوات بوعي واستقلالية، من خلال الاستثمار في تطوير موارد لغوية عربية عالية الجودة، ودعم البحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي الإعلامي، ووضع أطر واضحة لاستخدام هذه التقنيات داخل غرف الأخبار.

كما تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى اعتماد نماذج تضمن بقاء الإنسان في مركز القرار التحريري. فالذكاء الاصطناعي يجب أن يخضع لمراحل مراجعة بشرية تضمن سلامة اللغة، ودقة السياق، والمسؤولية المهنية. لا يمكن أن يصبح إنتاج الخبر عملية آلية منفصلة عن الصحفي الذي يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية أمام الجمهور.

إن الصحفي في المستقبل لن يكون في مواجهة الآلة، بل سيكون مطالبًا بفهمها واستخدامها بذكاء. فالقيمة الحقيقية للصحافة لم تكن يومًا في إنتاج أكبر عدد من الكلمات، بل في القدرة على طرح الأسئلة التي لا يطرحها الآخرون، وكشف ما يحاول البعض إخفاءه، ووضع الأحداث ضمن سياقها الإنساني والسياسي.

المعركة القادمة في الإعلام العربي لن تكون فقط حول حرية التعبير أو ملكية المؤسسات، بل حول من يملك الأدوات التي تشكل تدفق المعلومات في العالم الرقمي. فالخطر ليس في وجود الخوارزمية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى سلطة غير مرئية تحدد ما يُرى، وما يُسمع، وما يُمنح فرصة الوصول إلى الجمهور.

إن مستقبل الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي لن يُحسم بامتلاك أكثر الأدوات تطورًا، بل بقدرة المؤسسات الإعلامية على الحفاظ على جوهر المهنة: استقلالية القرار التحريري، وحرية التفسير، وحق المجتمعات في أن تُروى قصصها بلغتها وسياقها وتجربتها الخاصة.

فالخوارزميات قد تساعد الصحفي في الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنها لا يجب أن تصبح الجهة التي تمنح هذه المعلومات معناها أو تحدد قيمتها. والتكنولوجيا قد توسّع حدود المعرفة، لكنها لا ينبغي أن تعيد رسم هذه الحدود وفق معايير لا يشارك الصحفيون والمجتمعات في صياغتها.

في النهاية، القضية ليست معركة بين الإنسان والآلة، بل معركة حول مستقبل السلطة المعرفية نفسها. ففي اللحظة التي تدخل فيها الخوارزمية غرفة الأخبار، يصبح التحدي الأكبر ليس أن نمنع التكنولوجيا من التأثير في الصحافة، بل أن نضمن ألا تفقد الصحافة قدرتها على توجيه التكنولوجيا. لأن الإعلام الذي يستخدم الأدوات الذكية بوعي سيعيد تعريف مستقبل المهنة، أما الإعلام الذي يترك قراره للأدوات فقد يكتشف متأخرًا أن من يملك الخوارزمية يملك جزءًا من القصة.

 

* * متخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية، مستشارة استراتيجية في الوساطة والقيادة، خبرة في منظومة الأمم المتحدة والحكومات والتواصل مع أصحاب المصلحة العالميين

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment