قياس أجواء التصعيد والعودة الى الحرب رهن التثبت من الظروف التي قادت ترامب الى إلغاء "وثيقة التفاهم" مع إيران في ذروة خلافه مع دول الحلف الاطلسي. وعليه طرح السؤال: هل انتهت الحرب وعين اسرائيل على تلة "علي الطاهر"؟
الجمهورية - جورج شاهين
صدمت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش اجتماعات الحلف الأطلسي في أنقرة، المجتمع الدولي، بإعلان انتهاء مفاعيل "مذكرة التفاهم" مع إيران، قبل أن تنطلق ورش العمل الخاصة بأولى بنودها. مؤكّداً أنّه لا يريد "التعامل مع الإيرانيين، وهم يكذبون ويغشون ويقودهم مرضى نفسيون، ولو امتلكوا سلاحاً نووياً لاستعملوه". ولما ترافقت مع التعرّض الإيراني لناقلات خليجية في هرمز، والردّ الأميركي عليها، تزامناً مع استمرار الأعمال العدائية جنوباً، تلاحقت الرسائل النارية من كل حدب وصوب. وعليه، ما هو المنتظر من استحقاقات؟
على رغم من حجم الصدمة التي أحدثتها مواقف الرئيس ترامب التي أطلقها في الساعات الأخيرة في الأوضاع الاقتصادية والدولية وسوق النفط تحديداً، فقد تريثت مراجع سياسية وديبلوماسية إقليمية ودولية في الحكم على مسار الاتصالات الجارية، للانتقال من مرحلة خفض التصعيد إلى وقف نار شامل وكامل ومستدام. ولفتت هذه المراجع، انّ الحكم النهائي ينتظر التثبت من إمكان أن يستتبع ترامب تصريحاته بالإجراءات التي تقود إلى وقف العمل بكل ما انتهت إليه "وثيقة التفاهم" التي تمّ التوصل إليها على "طاولة بورغن شتوك" السويسرية في 22 حزيران الماضي. ذلك انّ بعض الإجراءات التي تلت تصريحاته بالطلب إلى وزير الحرب الأميركي بإلغاء زيارته لإسرائيل التي كانت مقرّرة أمس، معطوفة على التوجيهات التي أعطاها لكل من موفديه إلى المفاوضات الإيرانية ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لافتاً إياهما إن كانا يريدان الاستمرار في مفاوضاتهما مع الإيرانيين، فإنّ هذا الأمر بالنسبة إليه "هدر ومضيعة للوقت".
لا تقف الأمور عند هذه المواقف الحادة التي يمكن ان يتراجع عنها ترامب في أي لحظة، خصوصاً انّه عبّر عنها في وقت يواجه أكثر من استحقاق داخلي ودولي، نتيجة الضغوط التي يتعرّض لها في الكونغرس الأميركي الذي حظّر عليه الاستمرار في الحرب على إيران من جهة، وتلك التي يعاني منها مع نظرائه في دول الحلف الاطلسي من جهة ثانية. إذ إنّه لا يمكن تجاوز تداعيات ما عبّر عنه من غضب شديد على بعض رؤساء دوله وحكوماتها، التي تردّدت في مساندته عند تشكيل "القوة الدولية" الخاصة بمعالجة الوضع في مضيق هرمز، ملمحاً بقوة إلى موقف كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ولو بلغة متفاوتة في حدّتها، عندما خصّ مدريد بأقساها، بأمره وزير الخزانة سكوت بيسنت بقطع العلاقات التجارية معها، بما يوحي بإمكان نشوء أزمة ديبلوماسية تفوق حدّتها تلك القائمة مع الحكومة الإيطالية ورئيستها.
وإلى هذه المؤشرات التي تنذر بإمكان تدهور الوضع مجدداً على الجبهة الإيرانية، لا يمكن التقليل من مخاطر القلق الدولي على ما يجري، وهو ما عبّرت عنه القيادة الصينية، التي نأت بنفسها عن مجريات الحرب في الخليج العربي بعد زيارة ترامب لبكين ما بين 12 و15 أيار الماضي، بتوجيهها اللوم والانتقاد الشديدين إلى الطرفين، باتهامهما بإشعال الحرب مجدداً، معطوفة على دعوتهما إلى "حوار عاجل" لتدارك ما يترتب على استئناف المواجهات. وهو أمر لن يقف عند حدود مضيق هرمز والنزاع حول آلية ادارة خطوط النقل والعبور في المضيق، بسبب الشروط الإيرانية التي ترفض سلوك خطوط جديدة للعبور، بطريقة تلامس المياه الإقليمية للدول الأخرى المتشاطئة، ولا سيما منها تلك التي تخصّ قطر وسلطنة عمان، وهو ما أدّى إلى وقف الحركة في مواقع بحرية إيرانية، ورداً إيرانياً طاول منشآت حيوية في البحرين والكويت، التي فقدت السيطرة على شبكتها الكهربائية بعد خروجها عن الخدمة وسط الظروف المناخية التي تعيشها. وهي عمليات عسكرية عبّرت عن تجاهل طهران لمضمون بيانات الإدانة السعودية، القطرية، البحرينية والكويتية، عدا عن الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي، وقبلها القيادة الأميركية المركزية، التي وضعت المنطقة في أقصى درجات التوتر وما تستلزمه هذه الحالة من تحضيرات عسكرية أميركية وربما إسرائيلية، إن صحّت المعلومات عن تدخّل عسكري إسرائيلي في قصف أهداف إيرانية واستعدادات لاستئناف القتال.
وقبل التوسع في ما يمكن أن تقود إليه مظاهر التوتر في الخليج، لا يجوز إهمال تقدير انعكاساتها الفورية على الساحة اللبنانية، والتي قد لا تقف عند حدود الجنوب فقط، ولا عند تلة "علي الطاهر" التي ما زالت إسرائيل تشتهيها، بعدما عمّمت وكالة سلامة الطيران الأوروبية على شركات الطيران تجنّب المجال الجوي اللبناني بعد الإيراني والعراقي بسبب التوترات. فكل أسباب التحشيد الداخلية تنمو بسرعة قياسية، فزادت من منسوب التوتر، بفعل اللهجة القاسية التي يتبنّاها "الثنائي الشيعي" بعدما أهدته المواقف الديبلوماسية والسياسية الحادة من القيادات الإيرانية الزخم السياسي والديني، على هامش فعاليات ومراسم تشييع المرشد علي الخامنئي. وما لقيه من دعم مفاجئ وفّرته مواقف الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، الذي راح بعيداً في تصغير "الخبرات السياسية والديبلوماسية" لمن قاد المفاوضات، معتبراً انّ "صيغة الإطار" كانت "إملاءً إسرائيلياً" على فريق لم يعرف قراءة مخاطر ما تضمنته بنوده، بعدما نزع منه وعنه صلاحياته وصفاته الشرعية والدستورية التي تسمح له بما قام به، وما رافق تبنّيه كل مظاهر الهزيمة التي ألحقتها الحرب بالدولة ومؤسساتها، ووضعت الجيش والأجهزة الأمنية في موقع المساومة على مهماته وحقه في حصرية السلاح.
وعلى هامش التطورات الطارئة، اتجهت الأنظار القلقة إلى الجنوب، حيث واصلت قوات الاحتلال أعمال التجريف والتفجير في القرى الجنوبية وفي مواجهة أعمال تقوم بها "ذئاب منفردة" كما حصل في بنت جبيل أمس، ومعها مساعٍ إسرائيلية لبث الفتنة في الجنوب، إلى درجة فرضت أن يقدّم أبناء القرى غير الشيعية في الجنوب "فحوصات في الوطنية" هم في غنى عنها، لمجرد فقدان العملاء في صفوفهم طوال سنوات الحرب وما قبلها وفيها وبعدها.













07/08/2026 - 15:29 PM





Comments