إيلي إ. حرب *
عود على بدء، دخلت العلاقات الأميركية – الإيرانية في الساعات الماضية مرحلة جديدة من التوتر مع احتمال اندلاع مواجهة أخرى حامية تنذر بانعكاسات قاسية على دول المنطقة من الخليج إلى لبنان. ومع تداخل التصعيد العسكري بالضغوط الاقتصادية والسجالات السياسية، يلف الغموض مستقبل مذكرة التفاهم الإطار الناظم للمفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
القصف الأميركي على مواقع ساحلية إيرانية في الساعات الماضية أتى رداً على ما وصفته واشنطن بتصعيد إيراني خطير في الخليج بعد تهديد طهران حرية الملاحة في مضيق هرمز وإطلاق النار على سفن تجارية بينها سفينتان قطرية وسعودية، في تطور اعتبرته الإدارة الأميركية تجاوزاً للخطوط الحمر ومحاولة لفرض أمر واقع في أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وعلى وقع هذه التطورات، أعلن الجيش الأميركي تنفيذ ضربات دقيقة، وافق عليها الرئيس الأميركي من أنقرة، استهدفت عشرات المواقع العسكرية الساحلية، بالتزامن مع تشديد وزارة الخزانة الأميركية إجراءاتها بتعليق الإعفاءات وقطع مصادر التمويل عن الجمهورية الإسلامية، في خطوة متشددة تجمع بين الرد العسكري والضغط الاقتصادي لإجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي والعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يحضر قمة الناتو في تركيا رفع سقف مواقفه معلناً أن الإيرانيين "مرضى" وأن مذكرة التفاهم "انتهت عملياً"، في توصيف يعكس قناعته بأن الاتفاق فقد مضمونه بعد التطورات العسكرية الأخيرة. إلا أن ترامب لم يُغلق الباب نهائياً أمام المسار الدبلوماسي، إذ أشار إلى أنه سيجتمع مع المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير لتقييم الخيارات المتاحة، فإما العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة أو إعلان انتهاء المسار التفاوضي بالكامل إذا تبين أن إيران غير مستعدة لتقديم تنازلات، في إشارة إلى أن الإدارة الأميركية تحاول الجمع بين سياسة الضغط الأقصى والإبقاء على نافذة دبلوماسية، وتالياً استخدام التصعيد العسكري والاقتصادي كورقة تفاوضية.
في المقابل، اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية، الولايات المتحدة بانتهاك مذكرة التفاهم، معتبرة أن الضربات الأميركية الجديدة وخرق الترتيبات الإيرانية في مضيق هرمز، واستمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، جعلت الاتفاق المؤقت "غير فعال". وقالت في بيان إن الجيش الأميركي شنّ هجمات على مراكز رصد ومراقبة على الساحل الجنوبي لإيران، ووصفتها بأنها "عدوان عسكري" وانتهاك لميثاق الأمم المتحدة ولبند وقف العمليات العسكرية في مذكرة التفاهم وهو ما "يضع مستقبل المفاوضات أمام اختبار صعب"، على ما ورد في البيان.
هنا يطرح السؤال البديهي : هل سقطت مذكرة التفاهم؟
على الرغم من التصريحات المتشددة، لا يمكن الجزم بأن مذكرة التفاهم سقطت نهائياً. فالولايات المتحدة ما زالت تتحدث عن إمكانية استئناف الاتصالات إذا تجاوبت إيران مع المطالب الأميركية، بينما تواصل طهران التلويح بإمكانية العودة إلى التفاوض شرط التزام واشنطن بما تعتبره تعهداتها السابقة. لكن استمرار الضربات العسكرية وتشديد العقوبات المالية يرفعان احتمال انهيار المذكرة بالكامل، بما يعني العودة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة التي قد تشمل ساحات إقليمية عدة، من الخليج إلى العراق، سوريا ولبنان.
في ما يخص لبنان، يكتسب المشهد أهمية استثنائية باعتباره البند الأول في مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، التي تنص على "الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهدان، اعتباراً من الآن، بعدم المبادرة إلى أي حرب أو أي عمل عسكري ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وسائر الأحكام الواردة في هذه الفقرة". لكن مع اهتزاز المذكرة، يصبح المسار الأميركي بين لبنان وإسرائيل الأكثر أهمية باعتباره المسار والإطار الوحيد القادر على منع مواجهة واسعة. فواشنطن وبيروت تعتبران أن استمرار المفاوضات الأمنية مع إسرائيل يشكل البديل الأكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار، حتى في حال تعثر المسار الأميركي – الإيراني.
إلا أن نجاح هذا الخيار يبقى مرتبطاً بموقف الفرصة الأخيرة لحزب الله ومدى استعداده للتجاوب مع متطلبات المرحلة الجديدة، فإذا استمر في رفض مسار واشنطن (الاحتمال الأرجح) فمن المتوقع أن تعتبر تل أبيب الخيارات السياسية مستنفدة، ما يفتح الباب أمام استئناف العمليات العسكرية بوتيرة أوسع من السابق. وفي هذا السيناريو، قد لا تقتصر العمليات على الضربات الجوية، بل تمتد إلى تعزيز السيطرة الميدانية داخل الجنوب اللبناني، عبر توسيع مناطق الانتشار في كل الاتجاهات، وخصوصاً لى سلسلة التلال الاستراتيجية الممتدة من قلعة الشقيف، مروراً بتلة علي الطاهر، وصولاً إلى مرتفعات جبل الريحان في جزين، وربما التقدم نحو مواقع إضافية شمالا يما يمنح إسرائيل إشرافاً نارياً على كامل الساحل اللبناني والبقاع.
تكشف أحداث الساعات الماضية أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية تمر بأخطر اختبار منذ إبرامها. فالضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية، وردود الفعل الإيرانية، تضع الاتفاق أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما العودة إلى التفاوض بعد تقييم تجريه الإدارة الأميركية لمسار الأسابيع الأخيرة، أو الانتقال إلى مرحلة انهيار كامل للمذكرة، بما يحمله ذلك من تداعيات على مختلف ساحات الاشتباك الإقليمية.
أما لبنان فيبقى الأكثر تأثراً بهذه التحولات، إذ إن نجاح مسار واشنطن قد يوفر نافذة أخيرة لتجنب حرب جديدة، أما فشله، بالتوازي مع انهيار التفاهم الأميركي – الإيراني، فيعيد الجنوب اللبناني إلى واجهة الصراع الإقليمي، في لحظة يبدو فيها إمكانية احتواء الوضع أصعب بكثير من أي وقت مضى.
* كاتب ومحلّل سياسي لبناني يقدّم محتوى تحليلياً معمّقاً حول السياسة اللبنانية والعلاقات الأميركية–الإيرانية، إضافة إلى قراءات في التوترات الإقليمية وملف مضيق هرمز. يتميّز بأسلوب مباشر يركّز على تفكيك المواقف السياسية وتفسير التحوّلات في المشهدين المحلي والدولي.











07/08/2026 - 10:45 AM





Comments