فاروق غانم خداج *
لا أذكر بالضبط اللحظة التي وقعت فيها في حب القراءة، لكنني أذكر جيداً ذلك الركن الصغير في بيت طفولتي، حيث كانت رفوف متواضعة تحمل كتباً قديمة الأوراق، صفراء الحواف، تفوح منها رائحة لا تشبه أي رائحة أخرى. كنت أجلس هناك ساعات، لا لأنني كنت أفهم كل ما أقرأ، بل لأن ذلك المكان كان يمنحني إحساساً بأنني أكبر من عمري، وأن هناك عوالم أخرى غير التي أراها من نافذة بيتنا. لم أكن أعرف يومها أن تلك الجلسات الصامتة ستصنع مني، بعد سنوات، إنساناً لا يستطيع أن يمر أمام خبر ثقافي دون أن يتوقف عنده طويلاً.
ومن هذا المكان الشخصي، من تلك الذاكرة التي ما زالت تحرّك في داخلي معنى الكتاب، توقفت مؤخراً عند خبر لم يكن مجرد خبر عابر وسط سيل الأخبار اليومية. كان خبراً يحمل سؤالاً كبيراً عن مستقبل الإنسان نفسه: دعوة سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، سفيرة النوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب لدى اليونسكو، إلى جعل تعزيز القراءة ومحو الأمية أولوية أساسية في عالم يتغير بفعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
جاءت هذه الدعوة خلال الكلمة الرئيسية التي ألقتها سموها في المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي للناشرين 2026، الذي استضافته العاصمة الماليزية كوالالمبور تحت شعار "ذكاء النشر: الاستدامة نحو المستقبل". وحملت كلمتها عنوان "القراءة من أجل محو الأمية"، حيث تناولت فيها كيفية توظيف الابتكار والتقنيات الحديثة في خدمة قطاع النشر، مع الحفاظ على مسؤوليته في توسيع الوصول إلى الكتب وبناء مجتمعات أكثر ارتباطاً بالقراءة.
أثارتني في هذا الخبر الفكرة قبل الشخص؛ لأن الحديث عن القراءة اليوم لم يعد حديثاً عن عادة فردية، بل عن قضية حضارية تمس علاقة الإنسان بالمعرفة. ووجدت نفسي أستعيد ذلك الطفل الذي كنت، وأتساءل: ماذا لو لم تكن تلك الرفوف موجودة في بيتنا؟ ماذا لو لم يجد الكتاب طريقه إليّ؟ هذا السؤال البسيط هو، في جوهره، السؤال ذاته الذي تطرحه اليوم كل الدعوات إلى تعزيز القراءة.
ففي الوقت الذي تتسارع فيه الآلات في إنتاج المعلومات، يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الإنسان القدرة على فهم هذه المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى معرفة حقيقية؟ فالقراءة ليست مجرد انتقال العين بين الكلمات، بل رحلة داخل العقل والوجدان. هي المساحة التي تعلمت فيها أن أسأل، وأن أرى العالم من زوايا مختلفة، وأن أبني موقفي الخاص بعيداً عن الاستهلاك السريع للأفكار.
ما يلفت النظر في التجربة الإماراتية خلال السنوات الماضية هو إدراكها المتزايد بأن النهضة لا تُبنى بالعمران وحده، مهما بلغ جمال المدن واتساعها، بل تحتاج إلى بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع. فالمباني تحتاج إلى مهندسين، والاقتصاد يحتاج إلى خبراء، لكن المجتمع كله يحتاج إلى عقول واعية تحمل المعرفة وتصنع الأسئلة الجديدة.

الشيخة بدور القاسمي
ولا تأتي دعوة بدور القاسمي من موقع عابر في المشهد الثقافي، بل من تجربة امتدت سنوات في عالم الكتاب والنشر. فقد ارتبط اسمها بمسار طويل من العمل من أجل تعزيز حضور الكتاب، ودعم صناعة النشر، وفتح مساحات أوسع للحوار الثقافي. لذلك تبدو دعوتها اليوم امتداداً لرؤية تؤمن بأن المجتمعات القوية تبدأ من قارئ يمتلك أدوات الفهم والمشاركة.
لقد أصبح الكتاب في كثير من المجتمعات العربية يواجه تحديات كبيرة. فوسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما تقدمه من فرص للوصول إلى المعلومات، ساهمت أيضاً في انتشار القراءة السريعة والمجزأة، حيث يكتفي كثيرون بعناوين مختصرة أو مقاطع عابرة بدلاً من الغوص في الكتب والأفكار. وأعترف أنني أحياناً ألاحظ في نفسي هذا الانزلاق نحو القراءة العابرة، فأعود إلى كتاب ورقي كي أستعيد ذلك التركيز والصبر الجميل الذي تعلمته من الصفحات لا من الشاشات.
أذكر أن أول كتاب أنهيته وحدي، دون مساعدة أحد، كان رواية بسيطة بغلاف ممزق قليلاً، لم أعرف اسم مؤلفها إلا بعد سنوات. لكنني أذكر شعور الفخر حين أغلقت آخر صفحة فيها، كأنني أنجزت شيئاً كبيراً يفوق حجمي. ذلك الشعور هو ما جعلني أعود إلى الكتب مراراً، بحثاً عن ذلك العالم الذي اكتشفته للمرة الأولى.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تعيد للقراءة مكانتها باعتبارها فعلاً ثقافياً وتربوياً وإنسانياً. فالناشر اليوم لا تقع على عاتقه مسؤولية إنتاج الكتب فقط، بل مسؤولية الوصول بها إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وإيجاد طرق تجعل المعرفة أقرب إلى الأطفال والشباب والمجتمعات التي ما زالت بعيدة عن مصادر القراءة.
ولم تكن دعوة بدور القاسمي مجرد حنين إلى الكتاب في مواجهة التحولات الرقمية، بل رؤية للمستقبل. فهي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لا ينبغي أن يقتصرا على تسريع إنتاج المحتوى، بل يجب توجيههما ليكونا وسيلتين لتوسيع دائرة المعرفة. لذلك دعت الناشرين إلى إعادة تعريف النجاح، فلا يقاس فقط بعدد العناوين المنشورة أو حجم المبيعات، بل بعدد القراء الجدد الذين يصل إليهم الكتاب، وبقدرة النشر على تجاوز الحواجز اللغوية والرقمية، وجعل المعرفة متاحة لفئات أوسع.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المهمة أكثر إلحاحاً. فالتكنولوجيا تمنح الإنسان وصولاً غير مسبوق إلى المعلومات، لكنها لا تمنحه وحدها الحكمة أو القدرة على التمييز. العقل الذي لم يتدرب على القراءة العميقة قد يصبح أسيراً لما تقدمه له الخوارزميات، أما العقل القارئ فيمتلك فرصة أكبر للحوار والنقد والاختيار.
من هنا، فإن قيمة النشر لا ترتبط فقط بعدد الكتب التي تُطبع، بل بعدد الأشخاص الذين يجدون طريقهم إليها. فالكتاب الذي لا يجد قارئاً يبقى فكرة مؤجلة، أما حين يصل إلى إنسان يبحث عن المعرفة فإنه يتحول إلى طاقة قادرة على تغيير حياة كاملة.
ولعل أجمل ما في قضية القراءة أنها تبدأ بفعل بسيط بين الإنسان والكتاب، لكنها تمتد إلى بناء مجتمع بأكمله. فالطفل الذي يكتشف متعة القراءة اليوم قد يصبح الباحث أو الكاتب أو المفكر الذي يساهم غداً في تقدم وطنه. لذلك فإن الاستثمار في الكتاب هو استثمار في الأجيال القادمة.
لقد عرفت المجتمعات التي احترمت المعرفة أن الثقافة ليست هامشاً في حياة الأمم، بل قوة أساسية في بنائها. فالأمم التي تقرأ هي الأمم التي تستطيع أن تفهم حاضرها وتخطط لغدها. وفي عالم تتغير فيه المهن والأدوات بسرعة، تبقى القدرة على التعلم والتفكير من أهم المهارات التي يحتاجها الإنسان.
إن دعوة بدور القاسمي إلى تعزيز القراءة تأتي في لحظة يحتاج فيها العالم إلى إعادة اكتشاف قيمة الكتاب. وهي تذكير بأن التطور الحقيقي لا يكون فقط في امتلاك أحدث التقنيات، بل في بناء إنسان قادر على استخدامها بوعي ومسؤولية.
فالقراءة ليست ماضياً نحاول الحفاظ عليه، بل طريقاً إلى مستقبل أكثر وعياً. وبينما تتقدم الآلات بسرعة، يبقى الإنسان بحاجة إلى الكلمة التي توسع خياله، والفكرة التي تنير طريقه، والكتاب الذي يفتح أمامه عوالم لا تنتهي.
وحين أستعيد اليوم ذلك الطفل الذي كان يجلس بين الكتب القديمة، أدرك أن القراءة لم تكن أمراً عابراً في حياتي، بل كانت الطريق الذي عرفته لأفهم نفسي والعالم من حولي. وحين تصبح القراءة مشروعاً للمستقبل، فإننا لا نبني قارئاً فقط، بل نبني إنساناً أكثر قدرة على فهم العالم وصناعة الغد؛ ذلك الإنسان الذي بدأ، ربما، من طفل صغير وجد في كتاب قديم عالماً كاملاً.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني













07/08/2026 - 10:09 AM





Comments