رشيد ج. مينا
تستمر الرحلة، وتستمر معها نظراتي من نافذة الطائرة إلى تلك الفسيفساء الساحرة التي يتكوّن منها لبنان. من هذا الارتفاع يبدو الوطن لوحةً مكتملة الألوان؛ بحر يعانق الجبل، وسهول تمتد بين القرى والبلدات، ومساحات خضراء تتداخل مع العمران في مشهد قلّ أن يجتمع بهذا الغنى والتنوع في بقعة جغرافية صغيرة. إنه جمال يخطف الأبصار، ويمنح الناظر شعورًا بأن هذه الأرض خُلقت لتكون واحة استقرار وازدهار.
لكن ما إن تهبط الذاكرة والعقل إلى الواقع، حتى تتبدل الصورة. يتحول ذلك الجمال إلى مفارقة مؤلمة بين ما تراه العين من الأعلى، وما يعيشه الإنسان على الأرض. وطن يمتلك كل مقومات الحياة، لكنه ما زال عاجزًا عن بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها وتحقيق العدالة بينهم.
على مدى عقود طويلة، عاش اللبنانيون بين الاحتلالات والوصايات والتدخلات الخارجية، حتى أصبحت أجيال كاملة لا تعرف من الدولة إلا اسمها، ولا من المواطنة إلا شعاراتها. اختلطت المفاهيم، وتراجعت الهوية الوطنية أمام الهويات الطائفية والمذهبية والحزبية، وأصبح لكل جماعة مرجعيتها الداخلية والخارجية، ولكل طرف حساباته ومصالحه، بينما غاب القرار الوطني الجامع، وتراجعت الإرادة الحرة.
ولم تكن محطات إعلان لبنان الكبير، ثم الاستقلال، ثم اتفاق الطائف، ثم اتفاق الدوحة، وما تبعها من قرارات ومبادرات دولية، كافية لإخراج البلاد من أزمتها، لأن معظمها بقي أسير توازنات الخارج ومصالحه، كما بقي الداخل أسير انقساماته واستثماراته الطائفية والمذهبية. فبقي الحديث عن الوحدة الوطنية، والعدالة، والمساواة، وتطوير النظام، يدور في حلقة مفرغة، دون أن يترجم إلى دولة حقيقية ومؤسسات فاعلة وسيادة كاملة.
واليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فهناك احتلال إسرائيلي توسعت رقعته، واعتداءات مستمرة، ومفاوضات ينقسم اللبنانيون حولها، وسلطة شرعية تقابلها سلطة أمر واقع، وقرار وطني لم يستعد وحدته بعد. وكل ذلك يعمق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، ويؤجل ولادة وطن يشعر فيه الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات.
إن الخروج من هذا الواقع لا يبدأ من اتفاق جديد، ولا من تسوية سياسية عابرة، بل يبدأ باستعادة الإنسان اللبناني لثقته بنفسه، وتحرره من التبعيات السياسية والطائفية والمذهبية، ومن كل أشكال الاستثمار الخارجي الذي وجد في انقسامات الداخل بيئة خصبة لترسيخ نفوذه، مستفيدًا من فساد السلطة ونهب مقدرات الوطن.
إن ما يجب أن يجمع هذا التنوع الغني ليس الخوف من الآخر، ولا التوازن بين الطوائف، بل الانتماء الوطني الذي يجعل من التنوع مصدر قوة لا سببًا للانقسام. فالدولة لا تُبنى بالمحاصصة، وإنما بالمواطنة، ولا تستقيم بالولاءات المتعددة، بل بولاء واحد للوطن، يحتكم إلى الدستور والقانون والمؤسسات.
ولا شك أن أي مسار جدي نحو استعادة الدولة يحتاج إلى دعم عربي فاعل، وإلى دور دولي صادق يحترم سيادة لبنان ويساعده على تثبيت استقراره. لكن التجارب علمتنا أن السياسات الدولية تحكمها المصالح أكثر مما تحكمها المبادئ، وأن التعويل الحقيقي يجب أن يبقى على وعي اللبنانيين أنفسهم وإرادتهم في بناء وطن يستحق هذا الجمال الذي نراه من السماء.
وأنا أتابع النظر من نافذة الطائرة، يراودني شعور بأن لبنان لا تنقصه الجغرافيا، ولا الجمال، ولا الإمكانات، بل تنقصه الإرادة الجامعة التي تجعل هذا الجمال حقيقة يعيشها الإنسان على الأرض، لا مجرد لوحة آسرة يراها المسافر من السماء.











07/08/2026 - 11:19 AM





Comments