بيروت تايمز - تحقيق خاص من اعداد ليلى أبو حيدر
وُلد الأب نبيل مونس في قرية الشبانية – قضاء بعبدا، في بيئة لبنانية تقليدية مشبعة بالإيمان، قرب كنيسة السيدة التي شكّلت منذ طفولته ملجأً روحياً وثقافياً. نشأته في زمنٍ مضطرب سياسياً تركت أثراً عميقاً في تكوينه، فاختبر مبكراً معنى الخوف والحرب، وعاش تحوّلات لبنان من خلال ذاكرة الطفولة، ما دفعه إلى التعلّق بالإنجيل والتاريخ بحثاً عن معنى يتجاوز الألم والصراع .
ينتمي الأب مونس إلى عائلة كهنوتية، فعمه المونسنيور يوسف مونس كان خادم الرعية في الشبانية، ما جعل الكهنوت جزءاً من ذاكرة البيت. ومع أنّ طفولته كانت محاطة بالاضطرابات السياسية والحروب العربية–الإسرائيلية، إلا أنّه حافظ على علاقات واسعة مع أصدقاء من مختلف الطوائف، مؤمناً بأنّ كلمة يسوع «الله محبة» هي الطريق الوحيد لتجاوز الانقسامات التي مزّقت لبنان لعقود .
منذ بداياته، بدا واضحاً أنّ نبيل مونس لا يدخل الكهنوت بحثاً عن موقع، بل بحثاً عن معنى. الدعوة التي نمت في داخله لم تكن نزوة عابرة، بل نداءً حقيقياً حمله معه إلى الإكليريكية، حيث تفتّحت شخصيته على لاهوتٍ عميق، وفكرٍ منفتح، وإيمانٍ لا يخشى الأسئلة. هناك، في تلك السنوات الأولى، تكوّنت ملامح الكاهن الذي سيصبح لاحقاً واحداً من أبرز الوجوه الروحية في محيطه، كاهناً يجمع بين المعرفة والاتزان، وبين الصرامة الأخلاقية والحنان الإنساني.
يوم رسامته قبل خمسين عاماً، لم يكن يوماً عادياً. كان بداية عهدٍ اختاره بملء إرادته، وعاشه بملء قلبه. منذ اللحظة الأولى، قرّر أن يكون كاهناً للناس، لا كاهناً للمنابر. فتح الكنيسة قبل أن يفتح الكتب، وفتح قلبه قبل أن يفتح أي باب. لم يختبئ خلف سلطة الكهنوت، بل حملها كمسؤولية، وجعل من كل لقاء مع مؤمن مساحة صلاة، ومن كل زيارة بيتٍ مساحة رجاء، ومن كل قداسٍ فرصة لشفاء النفوس قبل تعليمها.
خمسون عاماً مرّت منذ أن وضع الخوري الدكتور نبيل مونس يده في يد الكنيسة، معلناً انتماءه الكامل لرسالة لا تعرف المساومة. نصف قرن من الكهنوت، عاشه كما يُفترض أن يُعاش: التزاماً، صلاةً، حضوراً، وعمقاً يليق برجلٍ اختار أن يكون في قلب الناس لا على هامشهم، وفي قلب الكنيسة لا في ظلّها. خمسون عاماً ليست مجرد رقم، بل مسيرة كاملة من الإيمان الصلب، والوعي اللاهوتي، والخدمة التي لا تتعب، والقدرة على تحويل الكهنوت من وظيفة إلى حياة، ومن حياة إلى شهادة.
في زمن الحرب اللبنانية، حين تراجع كثيرون، بقي الخوري مونس في مكانه. لم يغادر الرعية، لم يترك الناس، لم يساوم على حضوره. فتح الكنيسة كمأوى، ووزّع ما تيسّر من الطعام، ورافق العائلات التي فقدت أبناءها، ودفن الشهداء بدموع الأب لا ببرودة الموظف.
كان الكاهن الذي يمرّ بين الركام ليقول للناس إنّ الله لم يغادرهم، وإنّ الكنيسة ليست حجارة، بل بشر، وإنّ الكاهن الحقيقي لا يترك رعيته مهما اشتدّ الخطر. تلك المرحلة صنعت صورته في ذاكرة الناس، وجعلته مرجعاً روحياً لا يُناقش، وصوتاً هادئاً في زمنٍ كان كل شيء فيه يصرخ.
لكنّ الخوري مونس لم يكن كاهناً شعبياً فقط، بل كان أيضاً لاهوتياً من الطراز الرفيع. تابع دراساته العليا، وحصل على الدكتوراه، ودرّس أجيالاً من الكهنة والطلاب والمرشدين.
لم يكن يقدّم اللاهوت كمعادلات جامدة، بل كحياة. كان يعرف كيف يبسّط المفاهيم من دون أن يفرّغها من معناها، وكيف يقدّم الفكر المسيحي بلغة يفهمها الجميع، من الأكاديميين إلى أبناء الرعية البسطاء. هذا التوازن بين العمق والبساطة جعله واحداً من الأصوات اللاهوتية التي تحترم العقل ولا تتخلّى عن الروح، وتخاطب الإنسان الحديث من دون أن تتنازل عن جوهر الإيمان.
خدم الكنيسة المارونية بوفاءٍ كامل. كان قريباً من بكركي، مشاركاً في مبادراتها، مؤمناً بدورها الوطني، مدافعاً عن حضورها في لبنان والاغتراب. رأى في الكنيسة المارونية رسالة لا تُختصر بطائفة، بل تاريخاً وهوية ودوراً في حماية الإنسان وكرامته. شارك في لجان رعوية وثقافية، وساهم في تطوير برامج تربوية وروحية، وكان دائماً صوتاً عقلانياً في النقاشات الكنسية، بعيداً عن الضجيج، قريباً من الحقيقة.
في الرعية، كان الكاهن الذي يعرف الجميع. يعرف أسماء الأطفال، يتذكّر وجوه المسنين، يرافق الشباب، ويجلس مع العائلات في لحظات الفرح والحزن. لم يكن حضوره بروتوكولياً، بل إنسانياً.
ومع أنّ مسيرة الخوري الدكتور نبيل مونس تبدو للوهلة الأولى مسيرة هادئة ومنسابة، إلا أنّها لم تكن كذلك دائماً. الخوري المتواضع تعرّض خلال سنوات خدمته الطويلة لسلسلة من المشاكل والضغوط، بعضها رعوي، بعضها إداري، وبعضها إنساني صرف. واجه حملات، وتحمّل سوء فهم، ووقف في وجه تحديات داخل الكنيسة وخارجها، ومرّ بمحطات قاسية كان يمكن أن تُضعف أي شخص آخر. لكنه لم يتراجع. كان إيمانه المسيحي يقف معه في كل مرة، يرفعه حين ينهار الآخرون، ويعيد إليه القدرة على المتابعة حين تبدو الطريق مسدودة.
لم يكن يتعامل مع المشاكل كمعارك شخصية، بل كاختبارات روحية، كدعوات إضافية إلى التواضع والصلاة، وكفرص ليقول لنفسه وللآخرين إنّ الكهنوت ليس امتيازاً بل صليب، وإنّ الصليب ليس عبئاً بل طريق خلاص. هذا الإيمان العميق هو ما جعله يستمر خمسين عاماً بلا مرارة، بلا غضب، بلا انكسار، بل بثباتٍ يشبه ثبات الذين يعرفون أنّ الله معهم مهما اشتدّت العواصف.
في الاغتراب، حمل الكنيسة معه إلى ولاية أوكلاهوما الاميركية، حيث أصبح راعي كنيسة سيدة لبنان المارونية، وحيث حافظ على حضورٍ روحي وثقافي يشبه لبنان الذي يحمله في قلبه. هناك، وسط مجتمعٍ متنوّع، استطاع أن يبني رعية حيّة، وأن يحافظ على الهوية المارونية من دون أن يغلق الباب على أحد. كان الكاهن الذي يجمع الناس، لا الذي يفرّقهم. الكاهن الذي يقدّم الإيمان بلغة حديثة، منفتحة، قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر من دون أن تتنازل عن جوهر الرسالة.
إلى جانب خدمته الراعوية، أسّس اللجنة اللاهوتية للسلام في لبنان، وكتب مقالات روحية وفكرية في صحيفة بيروت تايمز، حملت نبرة نبوية واضحة، وطرحت أسئلة كبرى حول الإنسان، الحرب، الخلاص، والقيامة. كتاباته ليست تنظيراً، بل صرخة. ليست خطاباً، بل شهادة. فيها شيء من القلق اللبناني، وشيء من الحكمة الشرقية، وشيء من الإيمان الذي لا يتراجع مهما اشتدّت العتمة.
خمسون عاماً قدّم فيها آلاف القداديس، وعمّد مئات الأطفال، وبارك مئات الزيجات، ودفن مئات الأحبة، ورافق آلاف العائلات في لحظات مصيرية. خمسون عاماً من العطاء الذي لا يُقاس، ومن الحب الذي لا يُحصى، ومن الإيمان الذي لم يتراجع يوماً.
خمسون عاماً من الكهنوت الذي عاشه كما يجب أن يُعاش: بلا تكلّف، بلا ادّعاء، بلا بحث عن مجدٍ شخصي، بل بحث دائم عن وجه الله في وجوه الناس.
اليوم، في يوبيله الذهبي، لا نحتفل برجلٍ دين فقط، بل نحتفل بنموذج. نحتفل بكاهنٍ عاش رسالته بصدق، وبإنسانٍ حمل الكنيسة في قلبه وضميره الى عدة اقطار من العالم، وبلاهوتيٍ جمع بين العقل والروح، وبخادمٍ جعل من حياته صلاة ومن صلاته حياة.
نحتفل بكاهنٍ يشبه الكنيسة التي نريدها: قوية من الداخل، متواضعة في الخارج، ثابتة في الإيمان، منفتحة على العالم، قريبة من الناس، بعيدة عن الحسابات الصغيرة.
الخوري الدكتور نبيل مونس لا ينظر إلى هذه المناسبة كختام، بل كبداية جديدة. فالكاهن الحقيقي لا يتقاعد من الرسالة، ولا يتوقف عن الصلاة، ولا ينسحب من حياة الناس. خمسون عاماً هي بداية مرحلة جديدة من الحكمة، ومن العطاء الهادئ، ومن المرافقة الروحية التي يحتاجها المؤمنون اليوم أكثر من أي وقت مضى، في زمنٍ تتراجع فيه القيم وتزداد فيه الحاجة إلى رجالٍ يشبهونه.
في عالمٍ يتغيّر بسرعة، وفي بلدٍ ينهار كل يوم، وفي مجتمعٍ يبحث عن معنى، يبقى الخوري مونس واحداً من الأصوات التي تذكّرنا بأنّ الإيمان ليس رفاهية، وأنّ الكنيسة ليست مؤسسة، وأنّ الكاهن ليس موظفاً، بل رجلٌ من الله… في خدمة الإنسان.
خمسون عاماً من الكهنوت ليست مجرد تاريخ، بل مسيرة مقدّسة، عاشها بمحبة، وقدّمها للكنيسة وللبنان وللمؤمنين كهدية ثمينة.













07/04/2026 - 15:57 PM





Comments