تحقيق ليلى ابو حيدر
ستمئة وأربعين ألف نازح لبناني واكثر عادوا إلى منازلهم في الجنوب اللبناني منذ وقف إطلاق النار، وفق أرقام منظمة الهجرة الدولية، في واحدة من أسرع موجات العودة التي يشهدها لبنان منذ عقود. هذا الرقم لا يعكس فقط تراجع حدّة المواجهات بين حزب الله وإسرائيل، بل يكشف أيضاً حجم التحوّل السياسي الذي فرضه التفاهم الأميركي - الإيراني الأخير، التفاهم الذي أوقف الحرب في الشرق الأوسط وفتح الباب أمام تهدئة واسعة على الجبهة اللبنانية، بما يشبه إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
عودة 646,107 نازحين من أصل أكثر من مليون ليست مجرد حركة بشرية واسعة، بل مؤشر على تبدّل المزاج العام في المناطق الحدودية التي استعادت الحدّ الأدنى من الاستقرار، ولو وسط دمار كبير ونقص فادح في الخدمات. الأهالي عادوا بسرعة، كأنهم يرفضون أن تتحوّل حياتهم إلى انتظار طويل، فيما بقي نحو نصف مليون شخص عاجزين عن العودة بسبب الأضرار الهائلة أو استمرار المخاوف الأمنية التي لم تُمحَ بالكامل رغم التفاهمات الدولية.
لكنّ العودة لا تعني نهاية الأزمة. فالمناطق التي دفعت الثمن الأكبر تواجه اليوم تحديات تتجاوز قدرتها الذاتية: إعادة الإعمار، ترميم البنى التحتية، إعادة تشغيل المدارس والمستشفيات، وتعويض المزارعين وأصحاب المؤسسات الصغيرة. الدولة اللبنانية، المثقلة بانهيار مالي وإداري غير مسبوق، تبدو عاجزة عن التعامل مع هذا الحجم من الاحتياجات، ما يجعل العودة محفوفة بأسئلة أكبر من قدرة المؤسسات الرسمية على الإجابة عنها.
سياسياً، يطرح هذا التطوّر سؤالاً حاداً: هل يشكّل التفاهم الأميركي–الإيراني بداية مرحلة جديدة من الاستقرار في لبنان، أم أنّه مجرد هدنة مؤقتة تُجمّد النار ولا تطفئها؟ عودة النازحين بهذا الزخم تعكس ثقة نسبية بأنّ المواجهات لن تتجدد قريباً، لكنّ التجارب اللبنانية السابقة تُظهر أن الجنوب يبقى رهينة التوترات الإقليمية، وأنّ أي خلل في التفاهمات الدولية قد يعيد المنطقة إلى دائرة النار في لحظة واحدة.
كما أنّ عودة مئات الآلاف إلى مناطقهم ستعيد تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي في الجنوب والبقاع والقرى الجبلية التي شهدت نزوحاً كثيفاً. المجتمعات التي تفككت خلال الأشهر الماضية تحتاج إلى وقت طويل لاستعادة تماسكها، فيما ستبرز مطالب شعبية متزايدة بضرورة حماية هذه المناطق من أي حرب جديدة، وتعزيز حضور الدولة فيها، ووضع خطط طوارئ تمنع تكرار سيناريو النزوح الجماعي الذي ضربها بقسوة.
عودة أكثر من 640 ألف نازح ليست مجرد رقم في تقرير دولي، بل محطة مفصلية في مسار الأزمة اللبنانية. هي تعكس بداية تهدئة إقليمية، لكنها تكشف أيضاً هشاشة الواقع الداخلي، وضرورة أن تتحرك الدولة والقوى السياسية بسرعة لوضع خطة شاملة لإعادة الإعمار، وضمان ألا تتحوّل العودة إلى مجرد عودة إلى الخراب. المواطنون عادوا… لكنّ الأسئلة الكبرى حول الأمن والسيادة ودور الدولة ومستقبل الجنوب ما زالت تنتظر إجابات واضحة، وإجابات لا يمكن تأجيلها بعد اليوم.












07/04/2026 - 12:28 PM





Comments