حنانُ القلب الإلهيّ… شفاءٌ لجُرحِ لبنانَ الكبير

07/04/2026 - 15:13 PM

Atlantic home care

 

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

من هذا يتوضّح لكم حنانُ القلبِ الإلهيّ على البشر ومحبّته لهم، تلك المحبّة التي حملته على أن يتملّقهم بنوعٍ ما ويدعوهم إليه بقوله: "تعالوا إليَّ يا جميعَ المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم".

                                                                             البطريرك الياس الحويك

أبدأ بالقول: لولا حنان القلب الإلهي الذي يتجلّى لنا عبر التاريخ منذ خلق البشرية حتى اليوم، لكان الإنسان أفنى ذاته وانتصر الموت والفراغ فوق سطح الأرض، كما هو الحال في كوكب المريخ والقمر والكثير من الكواكب التي تحيط بنا. في البدء تكلّم قلب الله الرحيم في ما خلق، في النور، في الصباح، في الضوء، في المادة، في المياه الفوقية والأرضية والمعلّقة في الهواء، وفي الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله.

وفي هذا الشهر الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلالها، أحتفل معها بخمسين سنة من المشاركة في رسالتي على أرضها، في قلب شعبها، وفي وسط كنيستنا المارونية التي تعيد نسبياً مئة وخمسين سنة من هذا التاريخ.

بكل صدق أقول إنها كانت لنا أرض حرية وقلعة قوية للحفاظ على استقلالنا وإيماننا واستقلاليتنا على أرضها رغم الصعوبات والتحديات، فزرعنا فيها الحنان الإلهي وشجاعة رجال الأرز وشدّة سواعد أبناء جبل الرب في لبنان. فيها جُبل تراب الأرواح المتمرّدة، وعُجن بالعرق والتعب وقوة الإرادة والمشيئة في بناء الجسور بين الحضارات، وأعظمها حضارة القلب الإلهي والسلام المريمي الذي يقوم على الخدمة والحنان والطاعة. محضونين في أغلب الأحيان بقوة الصليب ودموع الأمهات، ومسنودين بالصلوات القلبية التي عبرت المحيطات وارتفعت فوق السماوات، فانتشرت كنائسنا المتواضعة فوق هذه الأرض لتصبح منارات هادية إلى الميناء في زمن العواصف والزلازل والزوابع المدمّرة القاتلة.

هنا تظهر لنا شخصية البطريرك الحويك الذي احتضن المهاجرين والمهجّرين، في شهر تموز، شهر مار شربل ومار الياس الأبطال الذين قهروا الموت بالنور والنار، والفناء بالنعمة والبركة، ولم يمسّهم الشرير أو تطلهم اللعنة الإبليسية أو خدعة الحسود والحاسدين القاتلين. مدّ البطريرك الياس الحويك يد الحنان الإلهي للجائعين والمظلومين على مساحة الوطن الصغير الذي وصفه القديس البابا يوحنا بولس الثاني بأنه “بلد الرسالة”، أي إنه مدعوّ لأن يكون بلد القلب الإلهي، بلد رسالة الحنان الإلهي في قلب العالم.

إننا لسنا مدعوين على الإطلاق لأن نلحق بقضايا جانبية أو تحالفات إقليمية لا معنى لها وساقطة، حتى ولو ظهرت إلى العلن بأنها قضايا محقّة. إن الرحمة الإلهية هي قضية الله وقضية القضايا في العالم كله، وإلا فإن عالمنا ينحرف وينحدر نحو السقوط الحتمي في الفناء النووي.

إن إعلان البطريرك الياس الحويك طوباوياً في هذا الشهر المكرّس لأبطال الروح الذين قهروا ممالك الشر والفسق والحروب إنما هو علامة ساطعة، صفارة إسعاف سماوية للقيامة الآتية. المراكب النارية التي خلّصت إيليا النبي حاضرة لخلاص الصديقين الذين آمنوا منذ البدء أن الله ليس في السيوف والصواريخ والقنابل العابرة للمحيطات، إنما هو كما صرخ وقال النبي إيليا وختمها يسوع بدمه الذي يسقي الأرض وما فوقها حتى أعماق الصحراء: "فإذا بريحٍ عظيمةٍ وشديدةٍ تشقُّ الجبالَ وتحطِّم الصخورَ أمام الرب، ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلة، ولم يكن الرب في الزلزلة. وبعد الزلزلة نار، ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوتُ نسيمٍ لطيف".

سفر الملوك الأول 19: 11-13

فكلّ حضارة تُبنى على القوّة وحدها إلى زوال، أمّا الحضارة التي تُبنى على حنان القلب الإلهي فتثمر سلاماً، لأن الله لا يغلب العالم بالعنف، بل بالمحبّة، ولا يفتح القلوب بالنار، بل بنسيم الروح القدس.

لبنان الكبير من صنع القلب الإلهي، ينزف لكنه لن يموت، كحمل الكتاب المقدّس، الحمل المذبوح والقائم، مطعون لكنه واقف صامد إلى الأبد.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment