بقلم: فرنسوا الجردي
لم يكن كلام رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل من السراي الحكومي انفعالاً سياسياً عابراً، ولا محاولة لاستفزاز خصومه، بل كان صرخة وطنية تعبّر عن وجع شريحة واسعة من اللبنانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة نتيجة عقود من هيمنة السلاح الخارج عن سلطة الدولة، ومن تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية لا قرار له فيها.
من هنا، فإن ردّ النائب رامي حمدان، بما تضمنه من عبارات شخصية وهجومية، لم يقدّم أي جواب على جوهر القضية. فاللبنانيون اليوم لا يسألون عن السجالات، بل يسألون: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يعيد للدولة سلطتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية؟
سامي الجميّل كان واضحاً وثابتاً. فهو لم يدعُ إلى إلغاء أحد، ولم يطالب بإقصاء أي مكوّن لبناني، بل دعا إلى أمر بديهي في أي دولة ذات سيادة: أن تكون الدولة وحدها المرجعية السياسية والعسكرية والأمنية، وأن يكون الجيش اللبناني وحده صاحب الحق في حمل السلاح والدفاع عن الوطن، وأن تخضع جميع القوى لسلطة الدستور والقانون.
إن التجارب التي عاشها لبنان خلال السنوات الماضية أظهرت حجم الكلفة التي ترتبت على وجود قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة. فقد شهد البلد مواجهات عسكرية متكررة، وأزمات اقتصادية ومالية خانقة، وتراجعاً في الاستثمارات، وهجرة واسعة للشباب، ودماراً طال مناطق لبنانية عديدة، فيما بقي المواطن اللبناني هو الذي يدفع الثمن الأكبر.
إن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة ليست موقفاً حزبياً ضيقاً، بل هي جوهر اتفاق الطائف، ومنسجمة مع الدستور اللبناني ومبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة. فقيام أي دولة حديثة يفترض وحدة القرار الأمني والعسكري، لأن ازدواجية السلطة تقود دائماً إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل قدرتها على حماية جميع المواطنين بالتساوي.
أما القول إن من يطالب بالدولة هو المسؤول عن الأزمات، فهو قلبٌ للوقائع. فالمطالبة بالدولة لم تكن يوماً سبباً للحروب، بل جاءت نتيجة تراكم أزمات عاشها لبنان بسبب الانقسامات وازدواجية القرار. وما يطالب به سامي الجميّل اليوم هو أن يستعيد لبنان موقعه كدولة كاملة السيادة، لا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لقد عبّر الجميّل عن دعمه لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة الدكتور نواف سلام في جهودهما لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، معتبراً أن نجاحهما هو نجاح للبنان كله، وأن أي فرصة لإعادة بناء الدولة تستحق أن تُمنح بعيداً عن حملات التخوين والتشكيك.
إن اللبنانيين تعبوا من لغة التهديد والاتهامات الشخصية. ما يحتاجه الوطن اليوم هو حوار سياسي مسؤول حول كيفية حماية لبنان، وتعزيز مؤسساته، واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي، وإنعاش اقتصاده، وتأمين مستقبل أبنائه.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكن لا يجوز أن يختلفوا على مبدأ الدولة. فالدولة ليست مشروع حزب، ولا ملك فريق، بل هي الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين، بكل طوائفهم ومناطقهم وانتماءاتهم.
ومن هنا، فإن صرخة سامي الجميّل ليست صرخة غضب، بل صرخة ضمير. إنها دعوة إلى إنهاء زمن الدويلات، وإعادة القرار الوطني إلى مؤسسات الجمهورية، حتى لا يبقى لبنان رهينة الأزمات والحروب، بل يعود وطناً سيداً، حراً، مستقلاً، يحكمه الدستور وحده، وتحتكر فيه الدولة وحدها قرار الحرب والسلم والسلاح.











07/09/2026 - 05:49 AM





Comments