زيارة ماكرون إلى دمشق: ترسيخ موطئ قدم فرنسي ضمن شروط واضحة

07/09/2026 - 06:58 AM

Your Ad Here

 

 

كارين القسيس

اكتسبت التحركات الديبلوماسيّة الفرنسيّة، وفي مقدمتها الزيارة الرسميّة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، أهميّة استثنائيّة، ولا سيّما في ما يتعلق بالملف السوري الذي عاد ليتصدر أجندة العواصم الدولية المؤثرة، في ظل التحولات الإقليميّة والدوليّة المتسارعة. إذ تنظر باريس إلى المرحلة الراهنة بوصفها فرصة لإعادة صياغة مقاربتها تجاه دمشق، بما يحقق توازنًا بين دعم استقرار الدولة السورية، وحماية المصالح الفرنسيّة، واحتواء التهديدات الأمنية العابرة للحدود، ضمن رؤية تستند إلى الانخراط المشروط، والشراكة المرحلية، والانفتاح المدروس على السلطة السورية الجديدة. 

 وحول مجريات الزيارة الرسميّة، أفاد مصدر ديبلوماسي فرنسي " كافيين دوت برس" بأنّ هذه الخطوة اتسمت بدرجة عالية من الجرأة السياسيّة، نظرًا إلى الاعتراضات التي أثارتها داخل الأوساط السياسيّة الفرنسيّة، على وقع مخاوف جدية من احتمال تعرضها لتطورات أمنية خطيرة، موضحًا أنّ التحضيرات جرت في إطار من السريّة المطلقة، بناءً على توصيات أجهزة الاستخبارات الفرنسية، ولم يُعلن عن تفاصيل الزيارة رسميًا سوى قبل نحو ثلاثين دقيقة من وصول الرئيس الفرنسي إلى دمشق، بعدما رجّحت التقديرات الأمنية الفرنسية احتمال وقوع عمل أمني يستهدفها.

 وأشار إلى أنّ الزيارة سبقتها عمليتا تفجير، الأمر الذي فرض إعادة النظر في البرنامج الرسمي لماكرون، بحيث كان من المقرّر أن يتضمن جولات ميدانية في عدد من المناطق المتضررة في ريف دمشق، إضافةً إلى زيارة مجموعة من الكنائس، وذلك تمهيدًا لإطلاق مبادرة اقتصادية فرنسية لإعادة إعمار تلك المناطق وترميمها. 

 وأكّد أنّ جوهر الزيارة تمثل في إعلان دعم فرنسي للدولة السورية برئاسة أحمد الشرع، ولا سيما على المستويات الاقتصادية والمالية والأمنية والديبلوماسية، مع التشديد في الوقت ذاته على أنّ هذا الدعم لن يكون مطلقًا أو غير مشروط، إنّما سيرتبط بحفنة من الالتزامات والمعايير المحددة. وفي هذا الإطار، جرى التوافق على إطلاق إعلان نوايا يمهد للبدء بعملية استعادة الأموال التي نُهبت خلال حقبة نظام الرئيس السابق بشار الأسد. 

 ووفقاً للمصدر نفسه، فقد نجحت هذه الزيارة في تحقيق أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية لباريس، والمتمثل في ترسيخ حضورها الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط الجديدة التي تتبلور ملامحها تدريجيًا، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الموقع السوري، والذي بات، بحسب المصدر، ساحةً لتنافس متنام بين الولايات المتحدة الأميركيّة وفرنسا وتركيا، إلى جانب عدد من  دول الخليج. 

 ورأى أنّ الدولة الفرنسيّة تدرك جيّدًا أنّ إعادة هيكلة المشهد الأمني في سوريا لا يمكن أن تتحقق بالاعتماد على الجهود السورية وحدها، وإنما تستوجب تعاونًا دوليًا واسع النطاق مع إدارة الشرع، التي تُبدي انفتاحًا واضحًا على إقامة شراكات دولية في مجال مكافحة التهديدات الأمنية، ومنع تحوّل الأراضي السورية إلى منطلق للمخاطر التي قد تستهدف الإقليم والعالم. كذلك أشار إلى أنّ هذا التعاون لا يندرج ضمن إطار المصلحة الوطنية السورية فحسب، بل يمثل أيضًا مسؤولية دولية مشتركة.

 وأوضح أنّ ماكرون كان على دراية كاملة بحساسية الأوضاع الأمنية السائدة في دمشق، وأنه، على الرغم من الاستهداف الذي وقع بالقرب من الفندق الذي كان يقيم فيه أثناء الزيارة، أصر على استكمال برنامجه الرسمي، في رسالة سياسية تعكس إدراك المجتمع الدوليّ لمسؤوليته في دعم المؤسسات السورية المعنية بإعادة بناء المنظومة الأمنيّة، مؤكدًا أنّ أي تراجع من جانب المجتمع الدولي عن أداء هذا الدور من شأنه أن يعيد سوريا إلى دوامة الاضطرابات المستمرة، وهي اضطرابات لن تقتصر انعكاساتها على الداخل السوري، وإنما ستمتد إلى لبنان، ثم إلى محيطه الإقليمي، وصولًا الى فرنسا. ومن هذا المنطلق، بادرت باريس إلى تعزيز تعاونها مع دمشق، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي، انطلاقًا من قناعتها بأنّ ترسيخ الاستقرار الاقتصادي يشكّل أحد أهم العوامل الكفيلة بالحد من استقطاب المواطنين السوريين من قبل التنظيمات المتطرفة التي تسعى إلى زعزعة استقرار هذه البلاد. 

 ولمس ماكرون لدى نظيره السوري إرادة واضحة للتعاون والعمل على ضبط الأوضاع الأمنية، كما طلب منه إيلاء المدارس المسيحية التي تعتمد اللغة الفرنسية في مناهجها التعليمية اهتمامًا خاصًا، مؤكدًا التزام فرنسا بتقديم الدعم والمساعدات اللازمة لها في المجال التربوي. 

 وشرح المصدر أنّ ألمانيا تمثل القوة الاقتصادية الرئيسية داخل الاتحاد الأوروبي، في حين تضطلع فرنسا بدور الضامن السياسي للدول الأوروبيّة، وبالتالي باريس كانت، منذ سقوط نظام الأسد، من أوائل العواصم الأوروبية التي دعت إلى منح الشعب السوري فرصة حقيقية لإعادة بناء دولته واستعادة سوريا لمكانتها التي كانت عليها قبل سنوات الحرب والدمار. واعتبر أنّ زيارة ماكرون في هذا التوقيت تشكل خطوة عملية نحو إعادة دمج سوريا في محيطها الأوروبي، وفتح الباب أمام استئناف انخراطها مع الاتحاد الأوروبي، متوقعًا أن تدفع هذه الخطوة عددًا من الشركات الأوروبية، التي كانت مترددة في دخول السوق السورية، إلى إعادة تقييم مواقفها والنظر بإيجابية إلى فرص الاستثمار فيها. 

وشدّد أنّ الاتحاد الأوروبي انتهج خلال المرحلة الماضية سياسة "الخطوة مقابل الخطوة" في تعامله مع الدولة السورية، مع متابعته الدقيقة لأداء الحكومة الانتقالية وتطوراته، لافتًا إلى أنّ اللقاء بين ماكرون والشرع لم يكن ليتحقق لولا اقتناع فرنسا بأنّ الحكومة السورية الانتقالية تمكنت، بالحدّ الأدنى، من إنجاز الاستحقاقات الأساسية التي كانت متوقعة منها، وبالتالي وبحسب المصدر نفسه فإن هذه الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين، وتمثل تتويجًا لمسار طويل من الجهود الديبلوماسيّة والسياسيّة، سبقته لقاءات واتصالات متواصلة جمعت رجال أعمال وشخصيات نافذة من الجانبين السوري والفرنسي خلال الفترة الماضية. 

 وفي ختام حديثه، كشف المصدر الديبلوماسي الفرنسي أنّ المرحلة المقبلة ستشهد تشكيل لجان مشتركة بين البلدين، مشددًا على أنّ الجانب الفرنسي يتمسك بمجموعة من الشروط الصارمة التي لا تمسّ السيادة السورية، وإنما تستهدف ضمان اضطلاع باريس بدور فاعل في المرحلة المقبلة، بالتوازي مع توفير غطاء سياسي للقيادة الفرنسية في مواجهة الضغوط الداخلية التي يمارسها كل من اليمين واليسار الفرنسي، اللذين لا يزالان يبديان تحفظات إزاء الحكومة السورية الجديدة، ولا سيما التيارات اليمينية. وأوضح أن باريس تأخذ في الحسبان وجود شريحة واسعة من المعارضين السوريين المقيمين على أراضيها، وهو ما يفرض عليها مراعاة اعتبارات سياسيّة وداخليّة متعددة، لافتاً إلى أن الحكومة السورية تدرك هذه الهواجس الفرنسيّة، وتتعامل معها بقدر كبير من التفهم والواقعيّة. 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment